الجمعة، 20 فبراير 2026

العودة مِن الجحيم


كان الصباح مختلفًا... الشمس لم تكن فقط تُشرق على النوافذ، بل كانت تطرق القلوب المعلّقة منذ شهور بأملٍ لا يموت.

في غرفة الجلوس، جلس "رفاعي أبو بكر" بملامح رجلٍ رأى الموت وجهًا لوجه، ثم اختارته الحياة مِن بين النيران.

التفّت الأسرة حوله في صمت مهيب، كأن كل نفسٍ محسوب، وكل عينٍ تترقّب أن تبدأ الحكاية.

"سحر" كانت تحدّق فيه دون رمشة، وكأنها تخشى أن يكون ما تراه مجرد طيف، أو خيال عابر سيختفي مع طرفة جفن. 

أما "أنغام"، فكانت تضغط على يديه بين حين وآخر، تطمئن أنه حي، أنه موجود و بخير... أن قلبه ينبض مِن جديد في قربهم.

تنهد "رفاعي"، ومسح على جبينه كما لو أنه يزيح الستار عن مشهد محفور في ذاكرته ليخبر عائلته بما حدث معه ويقول:

– "كنت واقف على ظهر الباخرة، البحر كان هادئ ، والسماء كانت صافية... لا يوجد أي علامة تدل إن الموت ينتظرنا بعد لحظات..."

ساد الصمت على الجميع، شدّ الأبناء غطاءهم وكأنهم يستعدون لمواجهة البرد الآتي مِن كلماته في فصل الشتاء القارص.

تابع بنبرة منخفضة وقال:

– "سمعنا صوت انفجار، وما للحظات حتى اشتعلت النيران... دخان... صراخ... كل شيء تحول لفوضى عارمة... كنت أرى الناس حولي تجري، تهرول،  وناس أخرى تسقط، وناس تختفي بداخل النار... كنت أجري دون أن أدري إلى أين أذهب .....؟
غير أن أقدامنا كانت تسبق عقولنا في خطوتها دون تفكير..."

توقفت "سحر" عن التنفّس، وضعَت يدها على فمها، كأنها تحاول أن تحبس الألم المتصاعد مِن صدرها وهي تقوم بعملية استراتيجية التخيل للموقف برمته.

قال "رفاعي" وهو يحدّق في الفراغ ويتذكر ما حدث:

– "حتى القى بنا في الميّاه... بالبحر حيث كان أحن علينا مِن النار، رغم برودته... كنت متمسك بقطعة خشب، أصارع بها الأمواج، والبرد، والخوف... ساعات طويلة، يا أولادي... كنت كل ثانية أتحدث لنفسي وأقول: 
هذه هي النهاية... أصارع الموج كأنني أتصارع مع الحياة للبقاء بها مِن أجلكم يا أولادي ..."

دمعت عين "أنعام"، بينما مدّ الصغير "محمود" يده ليلمس كتف أبيه، كأنه يريد أن يتأكد أنه فعلاً نجا مِن الموت.

– "لكن ربنا كبير، جاءت مركب صيد كانت تبحر بالصدفة داخل البحر... رأتنا ... وقاموا بسحبنا واحد تلو الآخر ... وأنا كنت آخرهم مِن الناجين..."

انقبض قلب "سحر"، تخيّلت والدها وسط الماء، وسط الظلام، يصارع الموت وحده فافاضت عينيها بالدموع...

– "تم حجزي لأيام في المستشفى... لا أحد يدري مٓن أنا ...؟
، ولا مِن أين...؟
وبمجرد ما عادت ليّ الحياة وأفقت مِن الغيبوبة... قلت لابد أن أعود إليكم... لابد أن أراكم... يجب أن تعلموا إنني مازلت على قيد الحياة ، حتى لا  تعتقدوا إني مت..."

اختنق صوته، وبللّت دموعه تجاعيد وجهه.

هنا، لم تتمالك "أنعام" نفسها، ارتمت في حضنه وهي تبكي بصوتٍ خافت وهي تقول:

– "الحمد لله... الحمد لله الذي أعادك إلينا سالماً ... كنت أدعي لك ليل و نهار..."

أما "سحر" فأقتربت منه ببطء، وجلست على الأرض أمامه، وضعت رأسها على ركبتيه، وبدأت تبكي كأنها تفرغ شهور الإنتظار والوجع دفعة واحدة.

رفع "رفاعي" يده، وربّت على رأسها بحنان، وهو يقول:
– "أنا عدتُ مِن أجلكم يا "سحر ... أنا حيّ أتنفس عشقاً لكم..."

في ذلك اليوم، لم يكن "رفاعي" فقط يحكي قصة نجاة...
كان يُعيد إلى البيت روحًا غابت، ويُرمم شروخًا أصابت القلوب،
ويثبت أن الأمل، وإن تأخر، قد يعود مِن قلب الجحيم. بقلم عاشقة الوطن... سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot