لم تكن "سَحر" تشبه باقية الفتيات في مثل عمرها.
كانت كلما رأت شيئًا مكسورًا أرادت أن تُصلحه، وكلما سمعت بخبرٍ حزين باتت ليلتها باكية لأنها تتفاعل مع مشاعر الأخرين.
كانت تطوف بين البيوت كما تطوف النسائم تدخل دون استئذان إن علمت أن أحدهم مريض، وتحمل معها سُترة قديمة أو طبق أرز أو حتى دعاء مِن قلبها الصغير لتقدم العون.
في أحد الأيام تأخرت عن المدرسة لأنها كانت تساعد سيدة مسنّة على حمل أغراضها.
وبدلًا مِن أن تُعاقبها المعلمة نظرت إليها بحنان وهمست:
"ربنا يبارك فيك يا ابنتي… أنتِ يا "سَحر" حنونة القلب.
وحين غاب والدها في إحدى الرحلات الطويلة جلست "سَحر" على عتبة البيت تنتظره.
كل يوم بعد المدرسة تكتب له رسالة جديدة تحكي فيها عن يومها، و عن شجرة الليمون التي أثمرت،و عن أمها التي اشترت غطاءً جديدًا للوسائد داخل البيت، وعن أخبارها في الدراسة… التي أصبحت تعرف درس الضرب جيداً بمادة الرياضيات...!
وكانت "آمال" تقول عنها:
"سَحر" دي طفلة… بس قلبها كبير مفعم بالإحساس والحب للجميع."
وكان إخوتها يحبونها حبًا صامتًا لا يُقال بالكلمات، بل يُترجم في تسلّل "أحمد" الأخ الأوسط إلى غرفتها ليُصلح لعبتها المكسورة، أو في أن يُهديها "محمود" رسمة لأرنب صغير، ولأنّه يعرف كم تحب الأرانب و هو صاحب الدم الخفيف الذي ينشر البهجة دائماً بينهم القرية كلها أحبتها.
حتى القطط كانت تتبعها، لأنها تعرف أنها ستمدّ لها يدها بشيء مِن الطعام.
وكان الجميع يقول:
" هذا البيت يحفظه الله تعالى لأن به "سَحر".
لكن الأيام لا تبقى كما هي،
ورياح التغيير بدأت تهبّ…
والرحلة إلى عالم جديد كانت تقترب.
"سَحر" لا تعلم أن قلبها الصغير سيُختبر، وأنها ستغادر هذه القرية التي كانت رحمها الأول
إلى عالمٍ أبعد، وأقسى، وأوسع مِن ضفّة النيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق