الأحد، 15 فبراير 2026

حين يموت فيهم ما أحببناه

بقلم/ د.لينا أحمد دبة 
أحياناً لا تكون الفقدة موتاً جسدياً، ولا سفراً بلا عودة، بل تحوّلاً صامتاً يطرأ على الأرواح. نظل نرى الوجوه ذاتها، نسمع الأسماء نفسها، لكننا نشعر أن المسافة كبرت فجأة، وأن شيئاً دافئاً كان يسكن العلاقة قد انطفأ دون ضجيج.
نحن لا نحزن دائماً على الأشخاص بقدر ما نحزن على الصفات التي عرفناهم بها. نحزن على الطيبة التي كانت تسبق اعتذارهم، على العفوية التي كانت تملأ حديثهم، على الاهتمام الذي كان يصلنا قبل أن نطلبه. وحين تتغير هذه الملامح الداخلية، نشعر وكأننا فقدناهم، حتى لو كانوا يجلسون أمامنا.
التغيّر سنة الحياة، نعم. الناس يكبرون، ينضجون، يمرّون بتجارب تقسو عليهم فتبدّل طباعهم. لكن بعض التحولات لا تكون نضجاً، بل انسحاباً من القيم التي صنعت العلاقة. حين يتحول الاهتمام إلى برود، والاحتواء إلى صمت، والوضوح إلى غموض… يبدأ الفقد الحقيقي.
الألم هنا مختلف؛ لأنه لا يحمل عزاءً واضحاً. لا نستطيع أن نعلن حداداً، ولا أن نشرح للآخرين سبب وجعنا. كيف نقول إن الشخص لم يمت، لكنه لم يعد هو؟ كيف نفسر أن ملامحه لم تتغير، لكن روحه التي أحببناها لم تعد تسكنه؟
ربما الحقيقة الأعمق أن العلاقات لا تقوم على الوجوه، بل على الصفات. نحب الإحساس بالأمان، والاحترام، والصدق، أكثر مما نحب الأشخاص بأسمائهم. لذلك حين تموت الصفات، تموت المساحة التي كنا نشعر فيها بالسكينة.
ومع ذلك، علينا أن نتعلم درساً قاسياً: ليس كل من تغيّر يجب أن ننتظره ليعود. بعض الصفات إذا غادرت، لا تعود كما كانت. وبعض القلوب إذا أغلقت أبوابها، لا تفتحها الذكريات.
الفقد ليس دائماً نهاية العلاقة، لكنه أحياناً نهاية الصورة التي رسمناها في قلوبنا. وحين ندرك ذلك، نتعلم أن نحب بوعي، وأن نترك بكرامة، وأن نحفظ في ذاكرتنا النسخة التي أحببناها… دون أن نستنزف أرواحنا في انتظار عودتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot