السبت، 14 فبراير 2026

السكوت الذي يصنع الجدران


مرّت أيام على الحادثة، لكن "سحر" لم تعد كما كانت.

كانت تسير إلى المدرسة بخطوات بطيئة، لكن رأسها مرفوع، لا عنادًا، بل كأنها تقول للعالم:
"أنا موجودة… رغم كل شيء."
لم تعد تحاول أن ترضي المعلمين بإبتسامة بريئة، ولا أن تلفت انتباه أحد بكلمة أو همسة، بل جلست في مقعدها قرب الجدار، بعيدة عن مرمى العيون، وبدأت تفعل شيئًا واحدًا… تُصغي لدروسها كما أوصتها أمها بذلك.

كانت تصغي بدقة لكل حرف في الدروس. 
تحفظ في قلبها قبل عقلها، كأنها تبني في داخلها حصنًا مِن العلم.

أصبحت تكتب واجباتها مرتين، وتراجع الدروس وحدها، حتى أن زميلاتها بدأن يلاحظن أنها لم تعد تُخطئ كما كانت.

في البداية، ظنّ البعض أن ما حدث لها كسرها.

لكنها لم تُكسر، بل نضجت.
فوجئ معلم الرياضيات أنها تفهم الجمع والطرح دون أن يشرح كثيرًا. 
ومدرسة اللغة العربية لاحظت أنها تقرأ الجملة بطلاقة غير معتادة.

في أحد الأيام، حين طلب المدير تفتيش دفاتر الطالبات، وجد دفتر "سحر" نظيفًا، منظّمًا، ملوّن الحواف، كل حرف فيه محسوب.
فرفع رأسه وقال بإبتسامة خفيفة: 
ــ إنتِ "سحر".....؟

هزّت رأسها وقالت نعم أنا "سحر".
نظر إليها وقال:
ــ "برافو عليكِ."

كانت تلك أول مرة يُقال لها "برافو".

عادت للمنزل في ذلك اليوم وهي تضحك في سرّها.
لم تخبر أحدًا لم تكن تريد أن يُقال إنها تحاول لفت الإنتباه.

بل أرادت أن تُثبت لنفسها أولًا أنها قادرة… وأن ما حدث لها، مهما كان مؤلمًا، لن يُعيدها للوراء، وأن كلام "آنعام" لها دعمها نفسياً وزدات ثقتها بنفسها أكثر مِن قبل بفضل أمها ومدير المدرسة .

في المساء، جلست "أنعام" إلى جوارها وهي تراجع دروسها.

رأت الأم الدفاتر، وعين "سحر" المُصمّمة، فأدركت أن ابنتها بدأت تتحول للأفضل، وأن الدعم النفسي له عامل كبير في تحول شخصية "سحر" إلى الأفضل وجعلها تسير للأمام بخطى ثابتة ، و مع ثقة بالنفس.

قالت لها "آنعام" بصوت خافت:
ــ "الذي يريد كسرك… اجعلي منه قوي تستمدين منها مواجهة التحديات يا "سحر....؟"

أجابت "سحر" دون أن ترفع رأسها: 
ــ "أنا لا أحب التعرض للضرب مرة أخرى… لكن لا أريد أن أكون إنسانه ضعيفة في المجتمع."

فربتت "آنعام" على كتفيها وقالت لها:
ــ "لم تكوني ضعيفة أنا معاكِِ  ولم أتركك بمفردك."

في قلب "أنعام" كان يسكنها الخوف.  
لأنها كانت تعرف أن هذه البلاد القاسية لا ترحم البسطاء، ولا تمنح الموهوبة فرصتها بسهولة. 

لكنها أيضًا كانت تؤمن أن لكل مظلوم رب، ولكل مجتهد لحظة نصر.

وفي ليل القرية، حين نام الجميع، كانت "سحر" ما تزال مستيقظة.
تمسك بقلم رصاص صغير، وتكتب على ورقة ممزقة

"أنا سأصبح كبيرة… سأكون شيئاً كبيراً في المستقبل… حتى لو لم يصدقني أحد الأن ولكن إنا غداً ناظره لقريب"

ثم طوت الورقة، ووضعتها تحت وسادتها…
وكأنها توثّق بداية الرحلة.  بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot