الأحد، 15 فبراير 2026

عودة الفُروع إلى الجِذع


كانت الشمس تتسلّل من نافذة المطبخ في شقة "آنعام" الصغيرة بأخمين، تسقط على طاولة الطعام حيث جلست تُقشّر البطاطس لأبنائها الثلاثة. 

صوت المذياع يأتي خافتًا من الغرفة المجاورة بصوت القرأن الكريم، ورائحة الكركم تعبّئ الجو برائحة أمومة لا تخطئها ذاكرة.

لكن شيئًا في قلبها لم يكن مستقراً...

منذ وصلت رسالة المدرسة عن حادثة "سحر" وهي لا تنام الليل.

كانت ترى في المنام وجه "سحر" باكيًا، غائمًا، ممزوجًا بالخوف، ثم تتبدّل الصورة إلى وجه "آمال" نظرتها ساكنة… ساكنة أكثر مُن اللازم.

في كل مرة ترفع رأسها عن وسادتها، كانت تهمس: 

ــ " لم أكرر خطئي… لم أترك بناتي بعيدة عني."

وفي أحد الصباحات، بعد صلاة الفجر، جلست على طرف سريرها، نظرت إلى السماء مِن خلال شباك مائل، وأتخذت قرارها: 
ــ "سأذهب لاسترجاع"سحر" و"آمال" مِن عند الحاجة "حسنة"… يكفّي بُعد، يكفّي ألم."

لم تنتظر كثيرًا، استأذنت مِن عملها، وحملت قلبها وسارت نحو قرية الحاجة "حسنة". 

كان الطريق مألوف، لكنها هذه المرة كانت أكثر طولًا، وكأن الندم يمدّ الطريق شبرًا بشبر ليُثقل بها الخطوات.

حين طرقت باب الحاجة "حسنة" فتحت الباب وهي تبتسم كعادتها، لكن "آنعام" لم تبتسم.
عانقتها بحنان، ثم قالت لها بحسم: 
ــ "جئت لآخذ البنات."

نظرت الحاجة "حسنة" إليها طويلًا، ثم أجابتها بهدوء:

ــ "كنت أعلم إنكِ ستأتي يوماً وتأخذي بناتك … البنات لم تحس بالأمان بعيد عن حضنك يا "آنعام".

في الداخل سمعت "سحر" صوت أمها ركضت نحو الباب، ووقفت حائرة.

لم تكن تعرف إن كان عليها أن تبكي، أو أن تقفز فرحًا. 

أما "آمال" فظهرت بخجل، تضع يدها خلف ظهرها، تنظر للأرض.

قالت "آنعام" وهي تمسك يديهما: ــ "هيا  يا بناتي… البيت مِن دونكم ينقصه الكثير… وأنا قلبي لم ينبض وأنتم بعيداً عني ولم تذوق عيناي طعم النوم منذ يوم الفراق عنكم  ."

حملت البنات حقيبتهما الصغيرة فيها ثياب قليلة، ودُمية بلا ذراع كانت "لآمال" وكتاب قديم "لسحر" و قاموا بوداع الحاجة "حسنة".

وفي الطريق إلى "أخمين" كانت "سحر" تنظر مِن النافذة، وأمها تمسك يدها دون أن تنبس بكلمة.

أما "آمال" فكانت تحتضن شنطتها الصغيرة وكأنها تخشى أن تضيع منها الحياة التي تعودت عليها.

حين وصلوا إلى الشقة بمساكن المهاجرين، كانوا الإخوة الثلاثة في انتظارهم، "محمد" و"أحمد" و"محمود" وعيونهم تتساءل، لكن قلوبهم فرِحة. للمّ شملٌ طال انتظاره.

في ذلك المساء، جلست الأسرة كلها حول مائدة طعام ضيقة، لكن القلوب كانت متّسعة.

ضحك "محمود" بصوت عالٍ، فصفق "أحمد"، وقال "محمد": ــ " البيت تزين بالنور بعودة أخوتي ."

نظرت "آنعام" إلى بناتها، ثم إلى أولادها، وقالت بصوت متهدّج:

ــ "مِن اليوم…لا أحد منكم سيفارق الآخر … ولا عن قلبي يبعد أحد منكم."

وبعد مرور يومين، اصطحبت الأم "سحر" و"آمال" إلى مدرسة جديدة في قرية "أخمين".

كانت خطوات "سحر" مترددة، تنظر حولها كمن يفتّش عن الأمان، أما "آمال" فكانت تمسك طرف فستان أمها.

قدّمت الأم أوراق النقل، وقابلت المديرة، وطلبت أن تكونا معًا في نفس المدرسة، قائلة:
ــ "أريد بناتي بجانب بعضهم البعض… يكفّي الذي حدث مِن قبل مع "سحر" .

وافقت المدرسة، ونُقِلت البنتان.
وفي أول يوم دراسي، جلست "سحر" بجوار فصل أختها "آمال" ونظرت "سحر" إلى السبورة بثقة جديدة.

قالت لها "آمال" أثناء الفسحة بفناء المدرسة بصوت خافت: ــ "إنتي خائفة يا "سحر....؟"
أجابت "سحر" بإبتسامة صغيرة: ــ "لأ… ماما بجانباً دائماً… لم نكن بمفردنا ."

ومن يومها، بدأ فصل جديد في حياة الأسرة… ليس فقط في المكان، بل في القلب.
كل واحدة من البنات بدأت تشعر أنها لا تقاوم العالم وحدها.

وأن الخطأ ليس في السقوط… بل في أن تُترك بعده بلا يد تساندها.   بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot