بقلم: أحمد المهدي صفوت
في قلب المشهد المصري المعاصر يتشكل مثلث شديد التعقيد، أضلاعه ثلاثة: الشرطة، الإعلام، ومنظمات حقوق الإنسان. لكل ضلع أدواته، ونفوذه، وخطابه الخاص، لكن السؤال الذي يظل معلقًا فوق رؤوس الجميع: من الأقوى؟ ومن يفرض الإيقاع الحقيقي داخل المجتمع المصري؟ وهل نحن أمام صراع نفوذ أم شبكة مصالح وتحالفات خفية تتبدل بتبدل اللحظة السياسية؟
الشرطة… سلطة القانون وهيبة الدولة
تمثل المؤسسة الشرطية الذراع التنفيذية الأبرز للدولة، حيث تستند إلى القانون والدستور في ضبط الأمن وفرض النظام. قوتها ليست فقط في أدواتها الميدانية، بل في شرعيتها المستمدة من فكرة حماية الاستقرار العام. في أوقات الأزمات، ترتفع مكانة الشرطة باعتبارها الحصن الأول ضد الفوضى، لكنها في الوقت نفسه تبقى تحت المجهر الشعبي والإعلامي، إذ إن أي تجاوز أو خطأ يتحول سريعًا إلى مادة للنقاش العام.
جبروت الدولة هنا ليس مجرد وصف بل انعكاس لاحتكار القوة الشرعية، وهو ما يمنح الشرطة نفوذًا مباشرًا على الأرض، لكن هذا النفوذ لا يعمل في فراغ، بل يتقاطع مع ضغوط الإعلام وتقارير الحقوقيين.
الإعلام… سلاح الضوء وصناعة الرأي العام
إذا كانت الشرطة تملك القوة الميدانية، فإن الإعلام يملك القوة الرمزية. من خلال الشاشات والمنصات الرقمية، يستطيع الإعلام تشكيل السردية، إبراز أبطال، أو إسقاط رموز. الشهرة، الأضواء، وحملات التشهير أو الدعم، كلها أدوات تمنح الإعلام قدرة هائلة على التأثير في المزاج العام.
الإعلام لا يفرض قرارات مباشرة، لكنه يصنع المناخ الذي تُتخذ فيه القرارات. تقرير استقصائي أو حملة إعلامية قد تغيّر مسار قضية، وقد تحاصر مسؤولًا أو تدافع عنه. ومع ذلك، يبقى الإعلام نفسه ساحة صراع بين المهنية والاصطفاف، بين البحث عن الحقيقة والسعي وراء التريند والسبق.
حقوق الإنسان… سلطة التقارير والضغط القانوني
الضلع الثالث في المثلث هو منظمات حقوق الإنسان، التي تعتمد على أدوات مختلفة: التقارير، البيانات، الدعم القانوني، والعلاقات الدولية. قوتها لا تكمن في السيطرة المباشرة، بل في القدرة على إثارة الجدل وفتح ملفات حساسة، وتحريك الرأي العام المحلي والدولي.
المحامون، الخبراء، والمنصات الحقوقية يشكلون شبكة ضغط قد تدفع نحو التحقيق أو التعديل أو المراجعة. لكنها أيضًا تواجه انتقادات تتعلق بالانتقائية أو التسييس، ما يجعلها في مواجهة دائمة مع مؤسسات الدولة وبعض وسائل الإعلام.
مثلث الرعب أم مثلث التوازن؟
الحديث عن “مثلث الرعب” قد يكون تعبيرًا مجازيًا عن صراع النفوذ، لكنه في واقع الأمر أقرب إلى مثلث توازن هش. الشرطة تحتاج إلى الإعلام لتوضيح روايتها، والإعلام يحتاج إلى المعلومات الرسمية، بينما تعتمد منظمات حقوق الإنسان على تغطية إعلامية لطرح قضاياها.
التحالفات قد تكون علنية أحيانًا وخفية أحيانًا أخرى، لكنها غالبًا مؤقتة، تحكمها المصالح والظروف. فلا الإعلام يستطيع فرض سلطة تنفيذية، ولا الحقوقيون يملكون أدوات الأمن، ولا الشرطة تستطيع تجاهل تأثير الرأي العام.
من الأقوى؟ سؤال بلا إجابة واحدة
القوة هنا نسبية ومتغيرة. في الشارع قد تتفوق سلطة الشرطة، وفي الفضاء العام قد يتفوق الإعلام، وفي الملفات القانونية والحقوقية قد يبرز نفوذ المنظمات الحقوقية. المشهد الحقيقي ليس صراعًا صفريًا بل شبكة تفاعلات معقدة، تتبدل فيها موازين القوة مع كل حدث جديد.
الخلاصة
مثلث الشرطة والإعلام وحقوق الإنسان ليس مجرد ساحة صراع، بل مرآة لتوازنات المجتمع والدولة. كل ضلع يراقب الآخر ويضغط عليه، وفي هذا التداخل قد تكمن فرص الإصلاح كما تكمن احتمالات التصعيد. السؤال الأهم ليس من الأقوى، بل كيف يمكن أن يتحول هذا المثلث من دائرة تكسير عظام إلى منظومة رقابة متبادلة تحمي الدولة والمجتمع في آنٍ واحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق