الاثنين، 23 فبراير 2026

وداع الفجر


في ذلك اليوم، كان البيت يعيش لحظات لا تُنسى، لحظات معلّقة بين الرجاء والحسرة، بين الحنين والفُرقة.

إنتهت أوراق السفر أخيرًا… أستلم "رفاعي" جواز سفره مختومًا بالتأشيرة، والموعد تحدّد للسفر…
فجر الغد، ستُحلّق الطائرة مِن مطار "القاهرة"، حاملةً معه أمنيات ثقيلة، وحقيبة عمر ممتلئة بالذكريات.

جلست الأسرة كلها في الصالة، صمت خافت يسيطر على المكان، كأن الجدران تشعر بما سيحدث.

الأم كانت ترتّب الملابس بهدوء غير معتاد، تطوي القميص الأبيض الذي يحبه، وتضع بجواره صورة تجمعه بالأولاد يوم العيد، ثم تمسح دمعة خفيفة تسللت دون أن تطلب الإذن.

"محمد" الإبن الأكبر جلس بجوار والده، يملأ عينيه بوجه أبيه كأنما يخشى أن ينساه، وقال بصوت خافت:

— "أبي… إن شعرت بالغربة بأمريكا… عود إلينا، ولا  تبتعد عنّا كتيراً."

ربت "رفاعي" على كتفه وقال مبتسمًا رغم وجع داخلي بقلبه:

— "الغربة هنا ليست هناك يا "محمد… الغربة عندما تحس أنك لست قادر على توفّير الإحتياجات لأولادك حتى في المعيشة النظيفة."

"سحر" كانت قد اختبأت خلف الستارة، تشهق بصمت، لكنها خرجت فجأة وركضت إليه، وتعلقت برقبته:

— "لا تسافر يا أبي… أرجوك أن تظل معنا… لا ترحل...!"

ضمهّا "رفاعي" بقوة، وهمس:

— "لابد مِن أن أسافر لأجلكم يا أولادي… حتى أجعل لكم حياة أفضل وأقوى… لكن أوعدك أننى لم  اتأخر، عليكم."

جلس الجميع حوله، عيونهم عليه باكية، وكأنهم يحاولون أن يحفظوا ملامحه بكل تفاصيلها.

كانت نظراتهم تتكلم أكثر مِن أفواههم، وكان الوداع يُكتب بهدوء على ملامحهم.

الليل أقترب…
والساعة تشير إلى أقتراب الفجر والعد التنازلي للفراق.

بدأ "رفاعي" يُحضّر حقيبته… وضع ملابسه، وأوراقه،بمساعدة "أنعام" زوجته وهي صامته تتغلغل عينيها بالدموع،و وضعت له مصحفه الصغير، لكي يحفظه ثم وقف "رفاعي" لوهلة، يرمق بيته بنظرة أخيرة قبل الرحيل.

قال بصوت أقرب إلى البكاء:

— "ادعولي… بالعودة لكم  سالماً."

ردّت زوجته وهي تمسح دموعها:

— "ربي معك يا "رفاعي… سوف تعود إلينا بكل الخير، وتحقق الذي تتمناه و يدور في ذهنك ."

لكن في تلك الليلة، وقبل أن يغمض عينيه لسويعات قليلة…
رأى في منامه وجهًا يعرفه…
كان الشيخ أبوه … واقفًا عند باب المطار، يلوّح بعصاه…
ويقول له بصوت عميق:

— "لن تفرّ… مِن قدَرٍ كُتب عليك في الأرض… لا في السماء فيه خيراً يا ولدي."

أستيقظ رفاعي مفزوعًا…
ثم قام، توضأ، وصلى ركعتين الفجر.

وفي عينيه… لمعة حيرة…
وفي قلبه… حلم بعيد.                   بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot