في كل مرحلة تسعى فيها الدولة إلى تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمارات، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن تحقيق النمو الاقتصادي دون أن يتحمّل المواطن وحده كلفة هذا المسار؟
وأين يقف الميزان الحقيقي بين تهيئة المناخ الاستثماري وحماية الاستقرار المعيشي؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا يوميًا ينعكس في حياة الناس.
الاستثمار بوصفه ضرورة وطنية
لا خلاف على أن الاستثمار عنصر أساسي في أي عملية تنمية.
فهو يوفر فرص العمل، ويعزز الإنتاج، ويدعم موارد الدولة، ويسهم في تحريك عجلة الاقتصاد. ومن دون بيئة جاذبة لرأس المال، تتراجع القدرة على النمو، وتضيق الخيارات أمام الدولة.
لذلك تلجأ الحكومات إلى مجموعة من السياسات، مثل:
تقديم حوافز ضريبية
تخفيف القيود التنظيمية
تحرير الأسعار
تقليص أعباء الدعم
وتُطرح هذه الإجراءات باعتبارها شروطًا ضرورية لجذب المستثمرين.
المشكلة لا تكمن في مبدأ الإصلاح أو في السعي إلى الاستثمار، بل في طريقة توزيع كلفة هذا السعي.
في كثير من الأحيان، تنعكس السياسات الداعمة للاستثمار مباشرة على المواطن، من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وزيادة الأعباء المعيشية، بينما لا تترافق هذه الإجراءات مع حماية اجتماعية كافية أو تحسين ملموس في الدخول.
وهنا يشعر المواطن أن الدولة تفاوض المستثمر نيابة عنه، ثم تطلب منه وحده تحمّل النتائج.
الطمأنينة ليست حكرًا على رأس المال
غالبًا ما يُنظر إلى المستثمر باعتباره الطرف الذي يحتاج إلى الاستقرار والضمانات، لكن هذه النظرة تغفل حقيقة أساسية:
المواطن أيضًا يحتاج إلى الطمأنينة.
المستثمر يبحث عن:
وضوح تشريعي
استقرار نقدي
عائد متوقع
والمواطن يحتاج إلى:
دخل يكفي احتياجاته الأساسية
أسعار يمكن التنبؤ بها
خدمات عامة لا تستنزف موارده
عندما تُلبّى احتياجات طرف ويُهمل الطرف الآخر، يفقد التوازن معناه.
هل حماية المستهلك تعيق الاستثمار؟
يُقدَّم هذا السؤال أحيانًا وكأنه معادلة صفرية:
إما جذب الاستثمار، أو حماية المواطن.
لكن التجارب الناجحة تثبت أن هذه المعادلة وهمية.
فالدول التي نجحت في جذب الاستثمار على المدى الطويل لم تفعل ذلك بإضعاف مجتمعاتها، بل عبر:
رفع كفاءة القوى العاملة
تحسين جودة التعليم
تعزيز الإنتاج المحلي
بناء سوق داخلية قوية
المواطن المستقر اقتصاديًا ليس عبئًا على الاستثمار، بل أحد أهم مقوماته.
العدالة شرط للاستقرار
حين يشعر المواطن أن السياسات الاقتصادية تُصاغ لمصلحة رأس المال فقط، تتآكل الثقة.
وحين تتآكل الثقة، يصبح الاستقرار الاجتماعي نفسه مهددًا.
فالاقتصاد لا يقوم على الأرقام والمؤشرات وحدها، بل على القبول الاجتماعي والشعور بالعدالة.
ومن دون هذا القبول، يتحول أي إنجاز اقتصادي إلى رقم بلا أثر حقيقي.
الميزان العادل لا يتحقق بالشعارات، بل بالسياسات العملية:
جذب استثمار مقابل التزام حقيقي بالتشغيل
تسهيلات مقابل قيمة مضافة واضحة
أرباح مقابل مسؤولية اجتماعية
إصلاح اقتصادي يقابله نظام حماية فعال
غير ذلك، يصبح جذب الاستثمار هدفًا في حد ذاته، وتتحول حماية المواطن إلى وعد مؤجل.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق