ليس كل ما يظهره الإنسان هو جوهره، وليس كل صمت يدل على فراغ. إنّنا -نحن البشر- كالجبال الضخمة، ما نراه منها هو جزء صغير باسطٌ نفسه على السطح، بينما الأعظم والأضخم مغمور في الأعماق. لهذا، أخطأ من ظن أن الحياة تُعاش على القشور، وأن الحكم على الناس يكون بالمظهر واللمحة العابرة.
نحن "طاقات".. ولكل منا طاقاته الخفية، وأوجاعه المدفونة، وأحلامه التي تئن تحت وطأة الواقع. فإذا رأيتم إنسانًا عاطلاً عن العمل، أو فاتر الهمة، أو متقلب المزاج بين الهشاشة والبشاشة، فلا تتعجلوا في إصدار الأحكام. فربما كان هذا الذي ترونه اليوم هو نتاج تربية قديمة قاسية، أو صراع حديث مع مجاهدة النفس والنفس. فالصدور تغصّ بهموم لو نطقت لملأت الدنيا رعبًا،الوجوه العابسة تضيق بجبال من الكروب لا قبل لأحد بحملها.
لهذا.. أعذرونا، أعذرونا. لا تقسوا علينا بظنونكم، ولا تقنطوا الناس من رحمتكم ومعاشرتكم الطيبة. فكم من قلب كسرته كلمةُ ظنٍّ سيئ، وكم من نفس أطفأتم شمعتها بحكم متسرع.
إن فن التعامل مع الناس هو فن "أهل الأعذار". هو أن تبادر بالعذر قبل أن يُطلب منك، فـ "من مدّ لك عذرا واهياً، فبادره بيمين الإعذار" أي بقبول ذلك العذر وتصديقه. فبعض الناس تمنعهم كرامتهم عن البوح، فتجد ألمهم في عيونهم قبل أن ينطقوا به. من شهدت حاله بالمعاناة، فلا تنتظر مقاله بالشكوى. ومن رأيت منه تقصيراً أو عثرة، فامرر عليها مرور الكرام. فإن الكرام إذا مروا على الناقص أغضوا الطرف عنه، ستراً لهم وإكراماً. أما من يتوقف عند كل هفوة، ويحاسب على كل عثرة، فقد أصاب -ولو كان غافلاً- من خصال اللؤم ما يبعده عن معاني النبل.
وتذكروا أن الأحرّاء (أصحاب القلوب الحية) لا يكثرون الشكوى. فإذا رأيتم صاحبكم صامتاً لا يتذمر، فلا تظنوا أن همه خفيف. اعلموا أن الكرامة هي التي تسكتهم، لا قلة الهم. هي التي تجعلهم يألمون في صمت، ويتحملون في صبر، ويواجهون الحياة بصدور رحبة وإن كانت مثخنة بالجراح.
وأخيراً، أيها الصديق العزيز تيقن أنك مهما بلغت من النضج والوعي، ومهما ترقيت في مدارج الفهم، فلن تدرك ما يعيشه غيرك من أحوال وشدائد على وجه الحقيقة الكاملة. قصاراك أن تقارب شعورهم، وأن تتفهم وضعهم. والمقاربة هنا هي أخت الاحتمال والتسامح. فاجعل من العذر لمن قاربت حاله حالك، ضعف ما تجعله من المؤاخذة. إن أخطأ مرة فاعذره مرتين. إن قصر في حقك، فتذكر أن له من الأوجاع ما قد يشغله عنك.
هكذا تسمو النفوس، وهكذا تتسع القلوب. ليس العذر ضعفاً، بل هو قوة عظيمة، وقمة في الفهم والرحمة. هو أن تخلق للإنسان مساحة آمنة يخطئ فيها ويتعلم، ويتعثر فيها وينهض، دون أن تخشى سوط لسانك أو سكين ظنك. والله يحب المحسنين، وأول الإحسان هو الإحسان إلى الناس بقبول أعذارهم، والتماس المخارج لهم، والظن بهم خيراً.
فلا تحكموا على كتاب من غلافه، ولا على بحر من سطحه. فرب صدر حزين يبتسم، ورب نفس موجعة تنشر حولها بهجة. أعذرونا.. أعذرونا.. تعذروا
بقلم د.شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتطوير دولي معتمد ولايف كوتش معتمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق