بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
ويبدأ العالم في التحوط من طريقة استخدام القوة لا من القوة نفسها
كثير من التحليلات التي تتحدث اليوم عن تراجع الدولار تنطلق من سؤال خاطئ. المسألة ليست هل الدولار يضعف أم لا بل لماذا يُدار بهذه الطريقة الجديدة وماذا يكشف ذلك عن تحولات القوة العالمية. الدولار لم يكن يومًا مجرد عملة. كان دائمًا بنية تحتية. نظام تسوية. مرجعًا للديون. ومرتكزًا لتسعير الطاقة والتجارة. ما تغيّر ليس هيمنته بل أسلوب ممارستها .
فكرة الدولار المُدار يمكن أن تكون في صالح الولايات المتحدة تحت شروط محددة. انخفاض نسبي ومدروس قد يخفف الضغط الصناعي الداخلي ويعيد توازنًا اقتصاديًا دون المساس بالقيادة النقدية العالمية. لكن هذا المنطق لا يعمل إلا إذا كان التدخل هادئًا ومتدرجًا ومفهومًا سياسيًا. المشكلة اليوم ليست في فكرة الإدارة بل في طريقة تطبيقها .
أمريكا لا تنافس الصين لتكون مصنع العالم. هذه معركة انتهت منذ زمن. التنافس الحقيقي يدور حول من يحدد القواعد لا من يصنع السلع. من يملك مفاتيح السيولة والمعايير التكنولوجية والبنية المالية العالمية. من هذه الزاوية يصبح الدولار المُدار أداة سيطرة هيكلية لا أداة منافسة صناعية .
وهنا تظهر العصفورة. الأسواق لا تتفاعل مع سعر الدولار بل مع غموض نواياه. عندما تؤدي العملة دور المال ودور الأداة السياسية في الوقت نفسه تصبح الثقة مشروطة. رأس المال لا يهرب بصوت عالٍ بل يعيد التموضع بصمت. لا بحثًا عن عائد بل عن اتجاه. لهذا يعود الذهب ليس كرهان ضد أمريكا بل كمساحة محايدة خارج نظام لم يعد يشرح نفسه بوضوح .
العالم لا يستعد لنهاية الدولار بل لعالم أصبح فيه الاعتماد على إطار واحد مخاطرة لا كفاءة. الدول التي تمتلك هوامش مناورة سواء عبر احتياطيات الذهب أو عمق إنتاجي أو مرونة نقدية تستطيع امتصاص الصدمة. أما التي لا تملك تلك الهوامش فتضخم الاضطرابات مهما كانت أساسياتها. هذه ليست هشاشة بل انكشاف .
التحول الأعمق يتمثل في انهيار الفصل التقليدي بين الاقتصاد والسياسة. لعقود كان الاقتصاد يعمل من الخلف وتقدم السياسة الرواية. اليوم سقط الغطاء. رأس المال والقوة يعملان مباشرة وبلا تزيين أيديولوجي. الأدوات التحليلية القديمة صُممت لزمن مختلف. استخدامها الآن لا يفسر الواقع بل يضلله .
التحوط الحقيقي الجاري ليس ضد الدولار نفسه بل ضد طريقة إدارته. أمريكا لا تزال بحاجة إلى العالم والعالم لا يزال بحاجة إلى الدولار لكن الطرفين يعيدان تقييم شروط العلاقة. إلى أن تعود تلك الشروط إلى وضوحها ستستمر الأسواق في تسعير الصمود لا النتائج والتموضع لا الفرص .
هذه ليست نهاية نظام بل لحظة انكشافه. وفي مثل هذه اللحظات يصبح الحنين التحليلي أخطر من الجهل نفسه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق