السبت، 24 يناير 2026

خرائط الدم: سايكس بيكو الجديدة ومخطط تمزيق الأشلاء



بقلم: احمد المهدي صفوت 


في الوقت الذي تئن فيه العواصم العربية تحت وطأة النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية الطاحنة، يعود إلى الأذهان شبح عام 1916، ولكن هذه المرة بصورة أكثر قتامة وتطوراً. لم تعد الطاولات الخشبية في الغرف المغلقة هي المكان الوحيد لرسم الحدود، بل أصبحت "غرف العمليات الرقمية" والوكلاء المحليون هم الأدوات الجديدة لتنفيذ ما يُعرف بـ "تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ".


من الحدود الجغرافية إلى الحدود الطائفية
إذا كانت اتفاقية "سايكس بيكو" القديمة قد رسمت حدوداً بالمسطرة والقلم بين الدول العربية على أنقاض الدولة العثمانية، فإن المشروع الغربي الجديد يستهدف تفتيت الدولة الوطنية من الداخل. لم يعد الهدف مجرد رسم حدود بين دولتين، بل خلق حدود داخل الدولة الواحدة؛ حدود تفصل بين الطائفة والأخرى، وبين العرق والآخر.


هذا المخطط، الذي يصفه مراقبون بـ "سايكس بيكو الثانية"، لا يكتفي بالكيانات الحالية، بل يسعى لتحويل الدول الكبرى في المنطقة إلى "دويلات مجهرية" أو "كانتونات" عرقية ومذهبية، لضمان بقائها في حالة صراع دائم يمنع أي نهضة حقيقية.

أدوات التنفيذ: الفوضى الخلاقة والوكالة
لم يعد الغرب بحاجة دائماً لتحريك جيوشه بأسلوب الاستعمار التقليدي؛ بل يعتمد الاستراتيجية الجديدة على عدة محاور:


1/ استثمار الأزمات: استغلال المطالب المشروعة للشعوب وتحويلها إلى صراعات مسلحة تدمر البنية التحتية.

2/ إذكاء النعرات: تحويل التنوع الثقافي والاجتماعي الذي كان مصدر قوة للعرب إلى فتيل للانفجار الداخلي.

3/ الاستنزاف الاقتصادي: إغراق الدول في ديون ترهن قرارها السياسي لسنوات طويلة.


وراء الستار الأخلاقي والدعوات للديمقراطية، تكمن الحقيقة العارية: السيطرة على منابع الطاقة وطرق التجارة العالمية. تقسيم المنطقة يضمن بقاء الثروات تحت إشراف شركات عابرة للقارات، ويجعل من حلم "الوحدة العربية" مجرد ذكرى في كتب التاريخ، مما يمنح القوى الإقليمية والدولية هيمنة مطلقة دون وجود منافس عربي قوي.


الهدف النهائي ليس مجرد السيطرة، بل جعل المنطقة عبارة عن فسيفساء مشوهة من الكيانات الضعيفة التي تتسابق لاستجداء الحماية من القوى الخارجية.

إن مواجهة مخطط "تقسيم المقسم" لا تبدأ من المحافل الدولية، بل من استعادة مفهوم "الدولة الوطنية الجامعة" التي تحترم المواطنة فوق كل اعتبار طائفي أو عرقي. فالخريطة التي تُرسم بالدم اليوم، لن تمحوها إلا إرادة واعية تدرك أن التجزئة هي أولى خطوات الاندثار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot