الأربعاء، 28 يناير 2026

🌍 الاستعمار الجديد للتكنولوجيا !

بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
حين يتحول الطب والتعليم إلى أدوات قوة .
في كل عصر تاريخي لم تختفِ القوة بل غيّرت أدواتها بدأت بالجيوش ثم بالتجارة ثم بالمال .
واليوم تظهر صيغة أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا .
لا تحتل أرضًا ولا ترفع علمًا ولا تطلق رصاصة بل تتصل .
ما نشهده ليس تقدمًا تقنيًا فقط بل انتقال مركز القرار من الجغرافيا إلى الشبكة .
في السنوات القادمة لن تُرسم حدود النفوذ على الخرائط بل داخل مراكز البيانات .
ومنصات الطب الرقمي ونظم التعليم الذكية .
ما يبدو تطورًا قد يتحول إلى بنية تبعية جديدة
الطب كواجهة سيادية .
الطب عن بُعد و الذكاء الاصطناعي في التشخيص و الجراحات الروبوتية و المستشفيات الرقمية .
كلها تُقدَّم بوصفها تحسينًا للخدمة
لكن في جوهرها هي فصل بين الجسد والقرار .
المريض في طنطا لكن القرار في دولة أخرى .
الجسد محلي و السلطة خارجية .
وهنا يحدث التحول الحقيقي ليس تحولًا طبيًا بل تحولًا سياسيًا اقتصاديًا استعمار وظيفي لا جغرافي .
الاستعمار القديم كان يسيطر على الأرض .
أما الجديد فيسيطر على الوظيفة هو من يحدد التشخيص و من يمتلك الخوارزمية و من يملك البيانات و من يحدّث النظام و يمتلك القرار .
الطبيب المحلي يصبح ضرورة
لكن ليس صاحب سيادة
ينفّذ ولا يقرر وهذا أخطر أنواع الهيمنة .
الإشارات موجودة بالفعل و الواقع سبق النظرية عمليات تُدار عن بعد .
أنظمة تشخيص تفوق القدرات المحلية منصات علاج مركزية متعددة الدول و مراقبة طبية رقمية عابرة للحدود و نجاحات حقيقية لكنها تطرح سؤالًا واحدًا :
من يملك العين التي ترى المريض
لأن من يملك العين يملك القرار .
التعليم يسير في المسار نفسه
كما في الطب ينتقل التعليم الي
مناهج عالمية شهادات رقمية تدريب ذكي .
دول تتعلم لكن لا تُصمِّم تستخدم لكن لا تُنتج .
وهنا تتشكل تبعية ناعمة أعمق من أي احتلال .
السيادة في عصر الشبكة .
القضية ليست رفض التكنولوجيا
بل فهم موقعنا داخلها إما أن نكون جزءًا فاعلًا نُنتج ونُصدّر ونُدير أو نكون مستخدمين دائمين داخل أنظمة يصممها غيرنا .
التكنولوجيا بلا سيادة تبعية والتكنولوجيا برؤية قوة .
وفي النهاية ننصح و نقول !
التاريخ لا يرحم من يجهل أدوات عصره .
في القرن الماضي كان القمح والسلاح .
اليوم هي الخوارزميات والطب والتعليم والعين الرقمية الاستعمار القادم لن يأتي بسفن
بل بإشارة .
ومن لا يملك الإشارة لن يملك قراره !!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot