بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
لم يكن الذكاء الصناعي هو الحدث الأكبر في عصرنا كما يتصور كثيرون بل كان لحظة كشف صامتة لما وصل إليه العقل البشري نفسه فمع أول احتكاك حقيقي بهذه الأداة ظهر أن المشكلة لم تكن في قدرة الآلة بل في الطريقة التي يستخدمها بها الإنسان
في البداية بدا الأمر وكأن العالم يقف أمام عقل جديد قادر على الفهم والتحليل واتخاذ القرار غير أن التجربة العملية سرعان ما أظهرت حقيقة مختلفة الأداة واحدة لكن النتائج شديدة التباين فهناك من يستخدم الذكاء الصناعي ليخرج بنصوص مكررة خاوية من المعنى وهناك من يوظف الأداة ذاتها ليبني تحليلًا عميقًا يربط ما يحدث في العالم بسياقه السياسي والاقتصادي والإنساني
وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح إذا كانت الأداة واحدة فمن أين جاء هذا الفارق
الواقع أن الذكاء الصناعي لا يفكر ولا يبتكر ولا يمتلك نية أو وعيًا هو يعيد ترتيب ما يوضع أمامه ويضخم ما يحمله عقل من يستخدمه فإن دخل إليه فراغ خرج فراغًا منظمًا وإن دخل إليه وعي خرج وعيًا أكثر عمقًا واتساعًا
من هنا يتضح أن الذكاء الصناعي لم يكشف قوة الآلة بقدر ما كشف مستوى التفكير البشري ذاته فالأداة لم تغيّر الإنسان لكنها كشفت ما بداخله
الخطر الحقيقي الذي يواجه عالمنا اليوم ليس أن تحل الآلة محل الإنسان بل أن ينسحب الإنسان طوعًا من دوره العقلي ويكتفي بطلب الإجابات الجاهزة بدل خوض مشقة السؤال ومع الوقت يتحول التفكير من فعل إنساني حي إلى وظيفة مؤجلة تعتمد على الأداة لا على العقل
وتكمن المفارقة في أن هذا يحدث في لحظة تاريخية تتطلب وعيًا أعلى لا أقل فالعالم يعيش مرحلة ارتباك سياسي واقتصادي غير مسبوقة حيث خرج الاقتصاد من خلف السياسة إلى الواجهة وأصبحت القرارات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا وفي مثل هذا الواقع لا تكفي أدوات ذكية بل يحتاج الأمر إلى عقل قادر على الفهم والتمييز وربط الأحداث بسياقها الحقيقي
المشكلة لم تعد في نتائج ما ننتجه بل في الطريقة التي نفكر بها قبل أن نطلب من الآلة أن تنتج فالذكاء الصناعي لا يعرف لماذا ولا يدرك أثر الكلمة ولا يتحمل مسؤولية القرار هو ينفذ فقط أما الاتجاه والمعنى فسيظلان مسؤولية الإنسان وحده
في عصر الذكاء الصناعي لم تعد المعركة بين الإنسان والآلة بل بين الإنسان وقدرته على الحفاظ على عقله حيًا وسط عالم يزداد ضجيجًا وتسارعًا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق