بقلم: احمد المهدي صفوت
بينما تنشغل مراكز الأبحاث الغربية برسم خرائط جديدة للمنطقة، تبرز مفارقة وجودية تقلب موازين التاريخ والجغرافيا؛ ففي الوقت الذي نجحت فيه الحركة الصهيونية في خلق "قومية مُتخيلة" تجمع بين يهود "الفلاشا" الأفارقة، و"الأشكناز" الأوروبيين، و"السفراديم" الشرقيين تحت راية واحدة، يندفع العالم الإسلامي نحو "انتحار هوياتي" يمزق الدولة الواحدة إلى كانتونات مذهبية وعرقية متناحرة.
منذ وعد بلفور وحتى اليوم، عمل المشروع الصهيوني على استراتيجية "تجميع الأضداد". ورغم الفوارق العرقية الهائلة بين يهودي من موسكو وآخر من أديس أبابا، إلا أنهم نجحوا في فرض لغة عبرية موحدة، وجيش واحد، وهدف قومي مشترك.
1/ تجاوز الأعراق: تم صهر الأعراق المختلفة في هوية "المواطن الإسرائيلي".
2/ استغلال التنوع: تحول التنوع من عبء إلى أداة لخدمة أهداف التوسع والمخابرات والقوة الناعمة.
في المقابل، يمر الجسد الإسلامي بعملية جراحية قاسية تهدف إلى "تجزئة المجزأ". لم يعد العداء موجهاً نحو الخارج، بل استُبدل بصراعات داخلية تقتات على التاريخ:
1/ الفخ المذهبي: تحويل الخلاف (السني - الشيعي) من نقاش فقهي إلى حرب حدود ووجود، تُستنزف فيها ميزانيات شعوب بأكملها.
2/ البعبع العرقي: إحياء النعرات بين العرب، والأكراد، والأمازيغ، والأفارقة، لإقناع كل فئة بأن "الآخر" القريب هو العدو اللدود وليس المستعمر البعيد.
3/ الكانتونات الإقليمية: تقسيم الدول بناءً على "الجغرافيا السياسية" (شمال وجنوب، شرق وغرب)، حتى غدت الحدود داخل الوطن الواحد أكثر قسوة من الحدود الدولية.
يرى المحللون أن هذا المشهد ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مخطط "تقطيع أوصال القوى الكبرى". فالهدف هو بقاء الكيان الصهيوني كـ "جزيرة استقرار" وحيدة وسط "محيط من الفوضى" المذهبية والقبلية. عندما ينشغل المسلم بتمحيص "مذهب" جاره أو "عرق" شريكه في الوطن، فإنه يفقد بوصلته تجاه قضاياه الكبرى، ويصبح أداة طيعة في يد من يرسمون "خرائط الدم".
القوة لا تكمن في التشابه، بل في القدرة على إدارة الاختلاف. الصهيونية أدركت أن بقاءها مرهون بتوحيد شتاتها وتفريق خصومها، بينما غرق الكثير من المسلمين في معارك "الهويات الضيقة" التي لا تخدم سوى من يريد بقاءهم في ذيل الأمم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق