**بقلم: مروه رفعت إبراهيم محمد**
مدرب دولي معتمد
متخصصة في تطوير التعليم وبناء قدرات المعلمين والقيادات التعليمية وفق معايير الجودة.
---
لم يعد مدير المدرسة موظفًا يتابع الدفاتر والجداول ويحافظ على الانضباط فحسب. المدرسة اليوم مؤسسة تتعامل مع بيانات آلاف الطلاب وأولياء الأمور، وتعمل داخل منظومة رقمية متغيرة، والمطلوب من قيادتها أن تحوّل هذه المعطيات إلى قرارات تحسّن التعلم. ولهذا لم تعد الإدارة المدرسية الحديثة ترفًا تنظيميًا. هي شرط لنجاح أي إصلاح تعليمي، لأن أفضل المناهج وأحدث الأجهزة لا تؤتي ثمارها إذا غابت القيادة التي تحسن توظيفها.
## من الإدارة الورقية إلى الإدارة القائمة على البيانات
تبدأ الإدارة الحديثة من تغيير طريقة اتخاذ القرار. فبدل الاعتماد على الانطباع الشخصي، يستند المدير إلى مؤشرات واضحة: معدلات الحضور والغياب، ونتائج التقييمات الدورية، وتطور مستوى كل صف ومادة. وتعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المنظومة الرقمية للتعليم بأنها تضم نظم معلومات الطلاب ومنصات إدارة التعلم ومنصات التقييم الرقمي، ويظهر في تقريرها «آفاق التعليم الرقمي 2023» أن كثيرًا من هذه الأدوات غير مترابط، فلا تُستثمر البيانات استثمارًا كاملًا بين مستويات النظام التعليمي.
والمعنى العملي أن جمع البيانات ليس غاية. فمدرسة تسجل الغياب إلكترونيًا ولا تتصل بأسرة الطالب المتكرر غيابه لم تستفد من التقنية. أما التي تربط الغياب بالتحصيل وتتدخل مبكرًا فقد حوّلت الرقم إلى رعاية تربوية.
## التحول الرقمي في السياق المصري
شهدت مصر خطوات في هذا الاتجاه، منها خدمة سداد المصروفات الدراسية إلكترونيًا عبر منصة «مصر الرقمية»، وقد أُتيحت بالتعاون بين وزارتي الاتصالات والتربية والتعليم. ووقّعت وزارة التربية والتعليم اتفاقًا مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية لإنشاء منصة قومية تُوحّد متابعة حضور الطلاب وأدائهم ونتائج تقييماتهم، على أن يبدأ تطبيقها تدريجيًا اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، بدءًا بعدد من الإدارات التعليمية ثم التوسع. وهذا نهج رشيد، لأن التدرج يسمح باكتشاف الثغرات قبل التعميم.
ومن الإنصاف أن نقول إن هذه المبادرات تظل وعدًا إلى أن نرى أثرها في غرف الصف. فنجاحها يُقاس بما توفره من وقت للمعلم، وبجودة القرار الذي تدعمه، وبمدى تحسن تعلم الطالب.
## الذكاء الاصطناعي: فرصة تحتاج إلى حوكمة
دخل الذكاء الاصطناعي المدرسة المصرية من باب المناهج، إذ أعلنت الوزارة إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي العام في 2025/2026، وأعلنت التوسع في التعليم الفني بدءًا من 2026/2027. لكن أثره الإداري لا يقل أهمية: فالأدوات الذكية يمكنها أن تساعد في إعداد التقارير وتحليل النتائج وصياغة المراسلات وتنظيم الجداول، فتمنح المدير والمعلم وقتًا لما لا تستطيعه الآلة، أي الحوار مع الطلاب وتوجيههم.
غير أن الحماس لا يغني عن الحذر. فقد حذّر دليل اليونسكو الأول لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم (2023) من أن سرعة ظهور هذه الأدوات تفوق قدرة التشريعات الوطنية على مواكبتها، وأوصى بحماية خصوصية بيانات المستخدمين، وبالنظر في حد أدنى لسن استخدامها، وبأن تتحقق المؤسسات التعليمية من ملاءمة هذه الأدوات أخلاقيًا وتربويًا قبل اعتمادها. وهذه التوصيات تعني كل مدير مدرسة، فقبول أي أداة جديدة قرار قيادي لا قرار تقني.
## القيادة التحويلية: الإنسان قبل الأداة
التقنية لا تغيّر مدرسة بلا قيادة تؤمن بالتغيير. ويقصد بالقيادة التحويلية القائد الذي يرسم رؤية مشتركة، ويحفّز فريقه، ويهتم بنمو كل معلم. وتفيد المراجعات البحثية بأن لها أثرًا إيجابيًا واضحًا في بيئة المدرسة وفي دافعية المعلمين. فقد وجد التحليل التلوي لليثوود وصن (2012) أن آثارها متوسطة في ظروف المدرسة، وصغيرة لكنها دالة إحصائيًا في تحصيل الطلاب.
وتلفت الدراسات الأخرى إلى نقطة مهمة: فقد خلص تحليل روبنسون ورفاقه (2008) إلى أن أثر القيادة التعليمية، أي التركيز المباشر على جودة التدريس والتعلم، يفوق أثر القيادة التحويلية بمرات. والدرس العملي أن المدير الناجح يجمع بين الأمرين: يلهم فريقه، ثم يوجّه هذه الطاقة إلى ما يجري داخل الفصل، فيتابع التدريس ويدعم المعلمين ويقيس النتائج. وتقتضي الأمانة العلمية أن نذكر أن معظم هذه الدراسات أُجري في سياقات غربية، فلا يصح نقل نتائجها حرفيًا إلى كل بيئة.
## التنمية المهنية وضمان الجودة
لا قيمة لمنصة متقدمة في يد فريق لم يتدرب عليها. لذلك يجب أن تسير التنمية المهنية المستمرة للمعلمين والإداريين بالتوازي مع كل خطوة رقمية، على أن تكون تدريبًا تطبيقيًا قصيرًا ومتكررًا مرتبطًا بمشكلات المدرسة الفعلية، لا محاضرات عامة. ويأتي ضمان الجودة ليربط ذلك كله: معايير واضحة للأداء، ومراجعة دورية، وتغذية راجعة، وخطة تحسين تُراجَع كل عام وفق نتائج قابلة للقياس.
## التحديات وحلول واقعية
تختلف إمكانات المدارس اختلافًا كبيرًا، ومن أبرز التحديات:
- **البنية التكنولوجية:** ضعف الإنترنت ونقص الأجهزة في بعض المدارس. والحل أن تبدأ المدرسة بما تملكه، فتختار نظامًا واحدًا بسيطًا لإدارة الحضور والتواصل، ثم تتوسع تدريجيًا.
- **التمويل:** يمكن اللجوء إلى حلول مفتوحة المصدر ومجانية، وإلى شراكات مجتمعية مع الجامعات والجمعيات الأهلية، دون التعاقد على أدوات مكلفة قبل التأكد من الحاجة إليها.
- **الأمن السيبراني والخصوصية:** بيانات الطلاب أمانة. ويحتاج كل مدير إلى سياسة مكتوبة تحدد من يطّلع على البيانات ومتى، وكيف تُحفظ وتُحذف، مع تدريب العاملين على كلمات المرور وسلوكيات الحماية الأساسية.
- **الفجوة الرقمية:** لا يملك كل ولي أمر هاتفًا ذكيًا أو اتصالًا مستقرًا. ولهذا يجب أن تبقى قنوات التواصل التقليدية بجانب الرقمية، حتى لا يتحول التطوير إلى إقصاء لمن لا يملكون الوسائل.
- **مقاومة التغيير:** تُعالج بالإشراك لا بالإلزام. فنجاح تجربة مصغرة مع معلمين متحمسين يقنع الآخرين أكثر من التعليمات الإدارية.
وهذه الحلول توصيات مهنية للتطبيق، لا نتائج منقولة من دراسة بعينها.
## رؤية للمستقبل
قد يخطئ من يظن أن مدرسة المستقبل مدرسة بلا بشر. فالتقنية تسرّع العمل وتكشف الأنماط وتخفف العبء، لكنها لا تعرف الطالب الذي يعاني في صمت، ولا تمنح المعلم الثقة، ولا تغرس القيم. تلك مهمة القائد التربوي، الذي يظل قدوة قبل أن يكون مديرًا للنظام.
والمدرسة الناجحة هي التي تجمع ثلاثة عناصر: ابتكار يواكب العصر، وكفاءة تحسن استخدام الموارد والبيانات، وقيم تربوية تحفظ للتعليم رسالته الإنسانية. وإذا أحسنت قياداتنا المدرسية هذا الجمع، أصبحت التكنولوجيا جسرًا نحو تعليم أعدل وأجود، لا غاية في ذاتها.
---
**المراجع والروابط المختصرة**
- UNESCO (2023). *Guidance for generative AI in education and research*. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000386693
- OECD (2023). *Digital Education Outlook 2023: Towards an Effective Digital Education Ecosystem*. https://www.oecd.org/en/publications/oecd-digital-education-outlook_7fbfff45-en.html
- Leithwood, K. & Sun, J. (2012). The nature and effects of transformational school leadership: a meta-analytic review of unpublished research. *Educational Administration Quarterly*, 48(3). https://doi.org/10.1177/0013161X11436268
- Robinson, V., Lloyd, C. & Rowe, K. (2008). The impact of leadership on student outcomes: an analysis of the differential effects of leadership types. *Educational Administration Quarterly*. https://doi.org/10.1177/0013161X08321509
- الهيئة العامة للاستعلامات (بوابة مصر)، أخبار إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي في التعليم: https://cairo.gov.eg/en/news/news-eng/2025/3851db557ad44a54824c6ef93bc31e9c
- خبر اتفاق وزارة التربية والتعليم مع مؤسسة «سبريكس» لإنشاء المنصة القومية: https://almalnews.com/2128792/
- خبر سداد المصروفات الدراسية عبر منصة «مصر الرقمية»:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق