الديزل الروسي يكشف ما أخفته حرب أوكرانيا : من يدفع الثمن ومن يحصد المكاسب ؟
بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى خطابات طويلة ولا إلى وثائق سرية حتى تكشف حقيقة العلاقات بين الدول . يكفي أن يرتفع سعر سلعة استراتيجية إلى مستوى يهدد الداخل السياسي لدولة كبرى حتى تتغير التحالفات في ساعات وتتراجع الشعارات أمام حسابات المصالح ويظهر الفرق بين ما تقوله السياسة وما يفرضه الاقتصاد .
ما يحدث الآن في سوق الديزل العالمي يقدم واحدًا من هذه المشاهد الكاشفة .
خرج ترامب يوم التاسع من أكتوبر 2026 ليعلن عن اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية وبحسب ما أعلنه ترامب ونقلته وكالات الأنباء، تشمل الإمدادات أكثر من ثلاثمائة ألف طن بصورة فورية و ثم خمسمائة ألف طن خلال نوفمبر و تليها كميات إضافية قد تصل إلى ملايين الأطنان. وجاء الإعلان في وقت بلغ فيه متوسط سعر الديزل الأمريكي نحو 6.28 دولار للجالون، بعد أن سجّل أعلى مستوى له عند 6.53 دولار في أواخر سبتمبر وسط ضغوط متزايدة على الإدارة الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر .
وبعد ساعات من الإعلان أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا مؤقتًا يسمح بتوريد الديزل الروسي حتى السابع من أبريل 2027 .
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي :
كيف يمكن لدولة تقود المعسكر الغربي في مواجهة روسيا أن تتجه إلى موسكو نفسها للحصول على الوقود الذي تحتاج إليه و بينما يواصل حلفاؤها الأوروبيون تحمل الأعباء الاقتصادية والاستراتيجية للصراع مع الدولة الروسية ؟
أولًا :
( أوروبا … من الاعتماد على روسيا إلى الاعتماد على أمريكا )
لم يكن قرار أوروبا بتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية قرارًا سهلاً فمنذ فبراير 2022 و دفعت الحربُ الدولَ الأوروبية إلى إعادة تشكيل خريطة إمداداتها بالكامل وكان المنطق السياسي واضحًا: تقليل الاعتماد على موسكو ودعم أوكرانيا وتعزيز الأمن الأوروبي .
لكن هذا التحول لم يأتِ بالنتائج التي كان يمكن توقعها فبدلاً من تحقيق استقلال طاقوي، انتقل الاعتماد الأوروبي من طرف إلى آخر ووفقًا لبيانات وكالة كبلر و ارتفعت حصة الولايات المتحدة من واردات أوروبا من الديزل من 17 بالمئة في 2025 إلى 32 بالمئة في المتوسط خلال 2026، لتصل في أغسطس إلى نحو نصف الواردات وفي الربع الثالث من 2026، كانت الولايات المتحدة في طريقها لتصدير نحو 360 ألف برميل يوميًا إلى أوروبا، بارتفاع كبير عن 250 ألف برميل قبل الحرب .
هذا الاعتماد الجديد لم يكن محصّنًا ضد تقلبات السياسة الأمريكية ففي أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 2026، مارست واشنطن ضغوطًا مباشرة على ألمانيا وفرنسا للإفراج عن احتياطيات الديزل الاستراتيجية، مع التلويح باحتمال تقييد صادرات الديزل الأمريكية إذا لم تتحرك الدول الأوروبية بالقدر المطلوب. وبحسب مصادر نقلتها بلومبرغ و طلبت واشنطن من الاتحاد الأوروبي الإفراج عن 120 مليون برميل من الديزل خلال ستة أشهر وهو ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي مخزونات الطوارئ الأوروبية البالغة نحو 39 مليون طن متري .
تأملوا المفارقة هنا الدول الأوروبية التي ساندت الاستراتيجية الغربية في مواجهة روسيا باتت مطالبة باستخدام جزء من مخزوناتها الاستراتيجية لمساعدة واشنطن في تخفيف أزمة الوقود الأمريكية و في وقت تخشى فيه هي نفسها نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار .
هذه ليست مجرد ملاحظة عن ازدواجية المعايير ولكن إنها تكشف بنية اقتصادية هشة جعلت أوروبا تتحمل تكاليف قرارات لا تتحكم وحدها في مسارها .
ثانيًا :
هنا نقول لماذا تغيّر الحساب الأمريكي ؟
لفهم التحول الأمريكي لا يكفي النظر إلى العلاقة بين واشنطن وموسكو فقط بل يجب أن ننظر إلى الداخل الأمريكي .
فالديزل ليس مجرد وقود للشاحنات ولكن إنه جزء من البنية الاقتصادية التي تنقل الغذاء والسلع والمواد الخام وتدعم النشاط الزراعي والصناعي وعندما يرتفع سعره إلى مستويات قياسية، تنتقل المشكلة من قطاع الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج و ثم إلى المستهلك وهنا تصبح جزءًا من أزمة المعيشة التي يصعب على أي إدارة سياسية تجاهلها .
في الولايات المتحدة ارتفعت أسعار الديزل بأكثر من 70 بالمئة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026 ووصلت في بعض المناطق إلى قرابة 10 دولارات للجالون بعد أن كانت تدور حول 3.5 دولار وجاءت هذه القفزة في توقيت بالغ الحساسية، قبل انتخابات التجديد النصفي التي قد تعيد رسم موازين القوة داخل الكونغرس وقد أشارت تقارير وكالة رويترز إلى أن ارتفاع أسعار الوقود أصبح عبئًا سياسيًا على ترامب والحزب الجمهوري و خصوصًا في المناطق الزراعية التي تعتمد بشدة على الديزل .
هذا هو المنطق الذي يستحق التوقف عنده و حين يصبح سعر الوقود عاملًا مؤثرًا في قدرة الحزب الحاكم على الاحتفاظ بنفوذه وهنا تتغير أولويات القرار فلا يعود السؤال الأساسي هو كيف نحافظ على اتساق الموقف السياسي تجاه روسيا ولكن كيف نزيد المعروض من الوقود ونخفض الأسعار قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى خسارة انتخابية .
لكن لا ينبغي اختزال القرار في الانتخابات وحدها. هناك أيضًا أزمة حقيقية في الإمدادات العالمية فقط
ايضا قد أدت الحرب على إيران إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز مما قلّص صادرات الشرق الأوسط من الديزل إلى أوروبا من نحو 80 ألف برميل يوميًا في المتوسط إلى 11 ألف برميل فقط بحلول 21 سبتمبر 2026 وهو أدنى مستوى منذ فبراير 2020 .
ثالثًا :
وهنا نشير إلى مفهوم جديد روسيا… من العقوبات إلى الفرص
المشهد الأكثر دلالة ليس أن روسيا ستصدر الديزل إلى الولايات المتحدة فحسب و بل أن هذا التحرك جاء عبر تفاهم أعلنه الرئيس الأمريكي عقب محادثة مع الرئيس الروسي رغم استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو .
لكن السؤال الحقيقي هنا يتعلق بقدرة روسيا الفعلية على الوفاء بهذه الوعود. فبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية وشركات تحليل السوق، تعرضت ست من أكبر مصافي الديزل الروسية لهجمات متكررة بالطائرات المسيرة الأوكرانية خلال عام 2026. ثلاث من هذه المصافي — كيريشي وفولغوغراد ونورسي — إما متوقفة تمامًا أو تعمل بطاقة تقارب 25 بالمئة فقط. وهذه المصافي الست تشكل نحو نصف إنتاج روسيا من الديزل .
وانخفضت صادرات روسيا من الديزل إلى أقل من مليون طن متري في يونيو 2026، مقارنة بنحو 2.5 مليون طن شهريًا في العام السابق. كما خفّضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لإنتاج روسيا من النفط الخام في 2026 إلى 8.7 مليون برميل يوميًا، بعد أن تراجع الإنتاج في أغسطس إلى 8.36 مليون برميل، بانخفاض 940 ألف برميل عن يناير .
هذه الأرقام تثير تساؤلات جدية حول قدرة روسيا على توفير الكميات الموعودة بها فحتى لو كان لديها الدافع الاقتصادي لتصريف منتجاتها فإن قدرتها الإنتاجية تأثرت بشكل كبير بالضربات الأوكرانية .
لكن بغض النظر عن الكميات الفعلية فإن الاتفاق يحمل دلالة سياسية عميقة. بالنسبة إلى موسكو فتح المجال أمام إمدادات إضافية قد يوفر فرصة اقتصادية وإن كانت محدودة . وبالنسبة إلى واشنطن، فإن استقدام إمدادات إضافية قد يساعد على تخفيف الضغوط في سوق الوقود وإن لم يكن مضمونًا أن يؤدي وحده إلى انخفاض سريع وكبير في الأسعار .
الأهم أن الاتفاق أظهر أن الخصومة السياسية لا تمنع بالضرورة التوصل إلى تفاهمات اقتصادية عندما تفرض المصالح المباشرة نفسها. هذا لا يعني أن الخلافات الاستراتيجية بين البلدين انتهت، لكنه يعني أن الخطاب السياسي ليس دائمًا المحدد النهائي للقرار .
رابعًا :
وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية
( اختلال توزيع التكاليف الاستراتيجية )
هنا أصل إلى الفكرة المركزية التي أرى أنها تستحق التطوير وهي ما يمكن تسميته
« اختلال توزيع التكاليف الاستراتيجية » .
والمقصود به أن مجموعة من الدول قد تتفق على هدف سياسي أو أمني، لكن التكاليف الاقتصادية المترتبة على تحقيقه لا تتوزع بالتساوي بينها و كما أن قدرتها على تعديل مسارها عندما تتغير الظروف قد تختلف بصورة كبيرة .
في هذا الإطار لا يصبح السؤال فقط :
من ربح من الحرب ؟
بل يصبح :
من تحمّل التكلفة ؟
ومن احتفظ بحرية الحركة ؟ ومن استطاع تعديل موقفه عندما تغيرت مصالحه ؟
ومن اكتشف أن التزاماته الاستراتيجية تقيد خياراته الاقتصادية ؟
لفهم هذا المفهوم هنا لننظر إلى كيفية توزيع التكاليف والفرص بين الأطراف الثلاثة :
أوروبا تحملت تكاليف إعادة تشكيل خريطة إمداداتها بالكامل .
اضطرت إلى تقليص اعتمادها على روسيا و ثم واجهت اضطرابات في الإمدادات من الشرق الأوسط و ثم أصبحت أكثر اعتمادًا على مورد واحد هو الولايات المتحدة وعندما ضغطت واشنطن عليها للإفراج عن احتياطياتها وجدت أوروبا نفسها أمام خيارين :
إما الانصياع لضغوط حليفها أو المخاطرة بتعريض أمنها الطاقوي لمزيد من التهديد .
الولايات المتحدة حافظت على هامش أوسع للمناورة و استفادت شركاتها من تلبية الطلب الأوروبي ثم عندما ارتفعت الأسعار في الداخل غيّرت مسارها بالتفاهم مع روسيا و لم تكن واشنطن مضطرة لتحمل تكاليف الالتزام بالعقوبات بالشكل الذي تحملته أوروبا .
روسيا وجدت في الأزمة فرصة لإثبات أن العقوبات لا تلغي قدرة الدول على البحث عن أسواق ومنافذ بديلة و حتى لو كانت قدرتها الإنتاجية محدودة، فإن مجرد عقد الاتفاق يمنح موسكو ورقة تفاوضية جديدة .
هذه الصورة تشير إلى حقيقة اقتصادية مهمة :
قد يتحمل طرف تكلفة استراتيجية مشتركة و بينما يتمكن طرف آخر من تحويل بعض آثارها إلى فرصة تجارية أو أداة تفاوض .
وهنا تبرز المفارقة الكبرى. أوروبا التي أرادت أن تحمي أمنها الاستراتيجي وجدت نفسها أمام اختبار لاستقلال قرارها الاقتصادي .
والولايات المتحدة التي تقود المواجهة مع روسيا أعادت فتح نافذة للتعامل معها عندما ضغطت مصالحها الداخلية .
أما موسكو فقد وجدت في الأزمة فرصة جديدة لإثبات أن العقوبات لا تلغي قدرة الدول على البحث عن أسواق بديلة .
خامسًا :
وهنا نجب ان نفهم ماذا يعني ذلك لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي ؟
الدرس الأول هو أن الاعتماد الاقتصادي لا يختفي بتغيير المورد بل قد ينتقل من طرف إلى آخر .
فأوروبا التي سعت إلى تقليص اعتمادها على روسيا وجدت نفسها أمام اعتماد متزايد على إمدادات أمريكية ثم اكتشفت أن هذا الاعتماد يمكن أن يتأثر بالسياسة الداخلية الأمريكية .
والدرس الثاني أن التحالفات السياسية لا تلغي تضارب المصالح الاقتصادية قد تتفق دولتان على أهداف استراتيجية عامة و لكنهما تختلفان عندما يتعلق الأمر بتوزيع التكاليف .
والدرس الثالث أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بمجرد امتلاك الاحتياطيات أو توقيع اتفاقات التوريد بل يتطلب قدرة حقيقية على تنويع المصادر وحماية الإنتاج الصناعي، وإدارة المخاطر .
وهنا تتضح الفكرة التي أراها أساسية لفهم العالم الحالي : الدولة الأقوى ليست بالضرورة الدولة التي تفرض أكبر عدد من الالتزامات بل الدولة التي تحتفظ بأكبر قدرة على إعادة ترتيب مصالحها عندما تتغير الظروف .
فالقوة لا تعني فقط القدرة على فرض العقوبات أو امتلاك الموارد العسكرية ولكن إنها تشمل أيضًا القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية والتحكم في البدائل وتغيير المسار عند الضرورة ونقل جزء من التكاليف إلى أطراف أخرى .
والدول التي لا تدرك ذلك ستظل تدفع تكلفة قرارات يتخذها الآخرون .
وفي النهاية يمكنا القول :
إن ما يحدث الآن لا يعني أن السياسة أصبحت بلا قيمة ولا أن التحالفات الدولية انتهت .
لكنه يكشف أن الخطاب السياسي ليس دائمًا المحدد النهائي للقرار .
فالرئيس الأمريكي الذي يتبنى موقفًا متشددًا تجاه روسيا يستطيع أن يعلن تفاهمًا معها بشأن إمدادات الوقود عندما تصبح الأسعار المرتفعة عبئًا داخليًا .
وروسيا التي تواجه عقوبات غربية تستطيع أن تبحث عن فرصة لتوسيع صادراتها عندما تجد مصلحة اقتصادية في ذلك . وأوروبا التي قدمت دعمًا واسعًا لأوكرانيا تجد نفسها مطالبة بإدارة أزمة طاقة تضغط على اقتصادها و بينما تتغير حسابات حليفها الأمريكي وفقًا لاحتياجاته .
هنا لا تختفي السياسة تمامًا و لكنها تفقد قدرتها على إخفاء التناقضات عندما تصبح المصالح المادية أكثر إلحاحًا .
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أوروبا ليس فقط كيف تحصل على الديزل بل كيف تبني نظامًا اقتصاديًا يمنحها القدرة على اتخاذ قراراتها دون أن تتحول إلى الطرف الذي يتحمل التكاليف بينما يحتفظ الآخرون بهامش أوسع للمناورة .
إن العالم لا يتحرك بالشعارات وحدها ولكن هناك دائمًا مصالح وتكاليف وموازين قوة وحسابات داخلية تعيد تشكيل القرار .
وحين تقود المصالح الاقتصاد إلى طاولة السياسة لا تكون المشكلة في أن الدول تبحث عن مصالحها بل في أن بعض الدول تكتشف متأخرة أنها تحملت تكلفة استراتيجية لم تكن تملك وحدها تحديد قواعدها أو نتائجها .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المشهد الحالي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق