بقلم: ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
كيف يمكن لمصر أن تتحول من دولة تجذب الاستثمار إلى دولة تصنع نجاح المستثمر؟
قد تكون كل مفاتيح الاستثمار موجودة أمامنا. الأرض موجودة والمال موجود والسوق موجود والموقع ممتاز والبنية الأساسية موجودة والقوانين موجودة. ومع ذلك لا يبدأ المشروع
لماذا؟
أحيانًا لأن المفتاح يكون في يد شخص يخاف من فتح الباب أكثر مما يخاف من ضياع الفرصة
وهنا أعتقد أن المشكلة التي يجب أن نتحدث عنها في الاستثمار المصري أعمق من مجرد سؤال: هل مصر جاذبة للاستثمار؟
أنا أرى أن السؤال الأهم هو: هل لدينا البيئة الإدارية التي تستطيع أن تجعل الاستثمار الذي يأتي إلى مصر ينجح؟
لأن مصر في الحقيقة تملك كثيرًا مما يبحث عنه المستثمر. لدينا موقع جغرافي استثنائي وقناة السويس وسوق كبير وبنية أساسية تطورت بصورة كبيرة ولدينا الطاقة والعمالة ولدينا القرب من أوروبا وأفريقيا والمنطقة العربية ولدينا اتفاقيات تفتح أمام المنتج المصري أسواقًا واسعة
لكن وجود كل هذه المقومات لا يعني أنها تحولت بالفعل إلى قيمة اقتصادية
المقومات تحتاج إلى من يجمعها
والفرصة تحتاج إلى من يحولها إلى مشروع
والمشروع يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تساعده على أن يبدأ ثم ينمو
وهنا تبدأ الحكاية
أحيانًا تأتي فرصة استثمارية حقيقية ويأتي معها المستثمر ولديه الفكرة والتمويل والرغبة في التنفيذ. وقد تكون الدولة نفسها قد أنفقت مليارات على البنية الأساسية التي يحتاجها المشروع
ثم تتوقف القصة عند إجراء
أو عند موافقة
أو عند تفسير مختلف لقاعدة
أو لأن الملف انتقل من جهة إلى أخرى
وفي أحيان كثيرة لا يكون السبب أن المشروع سيئ أو أن الدولة لا تحتاج إليه. قد يكون السبب ببساطة أن متخذ القرار يرى أن تكلفة الموافقة عليه بالنسبة إليه أكبر من تكلفة ضياع المشروع بالنسبة إلى الاقتصاد
فيبدأ السؤال داخل ذهنه :
ماذا يمكن أن يحدث لي إذا وافقت؟
بدلًا من السؤال الآخر :
ماذا سنخسر إذا ضاعت هذه الفرصة؟
ومن هنا تبدأ دائرة التأجيل. نطلب مستندًا جديدًا ثم نحيل الملف إلى لجنة ثم ننتظر رأيًا ثم نعيد الملف مرة أخرى. وفي النهاية يصبح عدم اتخاذ القرار هو القرار الأكثر أمانًا بالنسبة إلى متخذ القرار
وهنا لا تعود المشكلة مجرد بيروقراطية
المشكلة تصبح في فلسفة القرار الإداري نفسها
أنا لا أعتقد أننا نحتاج إلى إلغاء الحارس. نحن نحتاج إلى تغيير وظيفته
الإدارة ليست مطالبة بأن توافق على كل شيء وليست مطالبة بأن تمنح المستثمر كل ما يريد وليست مطالبة بأن تتجاوز القانون. بالعكس تمامًا. وظيفتها أن تحمي الدولة من الاستثمار السيئ وفي الوقت نفسه تجعل الاستثمار الجيد قادرًا على النجاح داخل القانون
وهنا تظهر الدولة القوية
الدولة القوية ليست التي تستطيع أن تقول «لا» فقط الدولة القوية هي التي تعرف متى تقول «لا» عندما تكون الفكرة ضد مصلحتها وتعرف متى تقول «نعم» عندما تكون الفرصة في مصلحة الاقتصاد
وعندما يكون المستثمر جادًا ويعمل وفق القواعد يجب أن تكون رسالة الإدارة واضحة له :
هذه هي القواعد وهذه هي حقوقك وهذه هي مسؤولياتك وهذه هي الطريقة التي سنساعدك بها على تنفيذ مشروعك
هذه ليست مجاملة للمستثمر
هذه هي كفاءة الدولة
وأعتقد أن هناك مشكلة أخرى في الطريقة التي ننظر بها إلى الاستثمار
نحن أحيانًا نحكم على المستثمر من حجمه في اللحظة التي يدخل فيها
قد يأتي مستثمر صغير بمشروع صغير فننظر إليه ونقول إن تأثيره محدود
لكن ماذا لو نجح؟
قد يكبر المصنع. وقد يحتاج إلى موردين. وقد تظهر حوله شركات جديدة. وقد يبدأ في التصدير. وقد يأتي مستثمر آخر لأنه رأى تجربة ناجحة أمامه
وفجأة لا يعود المشروع الصغير مشروعًا واحدًا
يصبح بداية لسلسلة اقتصادية كاملة
لذلك أنا لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو فقط: كم يستثمر هذا المستثمر اليوم؟
السؤال الذي يجب أن نسأله هو :
ماذا يمكن أن يصبح هذا الاستثمار إذا نجح؟
وهنا يبدأ التفكير التنموي الحقيقي
لأننا لا نريد فقط استثمارًا يدخل مصر
نحن نريد استثمارًا ينمو داخل مصر
ومن هنا أصل إلى فكرة أراها مهمة جدًا
لماذا لا نحول المستورد إلى مصنع؟
لدينا مستورد يأتي إلى مصر لأنه وجد منتجًا عليه طلب. وفي العادة ننظر إليه باعتباره مستوردًا يحتاج إلى عملة أجنبية
لكن يمكن أن ننظر إليه بطريقة مختلفة تمامًا
نقول له: أنت تعرف السوق وتعرف المنتج وتعرف حجم الطلب. لماذا لا تصنع هذا المنتج هنا؟
يبدأ بالتجميع
ثم يزيد المكون المحلي
ثم ينشئ خط إنتاج
ثم يبدأ في التعامل مع موردين مصريين
ثم يتوسع في التصنيع
ثم يبدأ في التصدير
وهكذا تتحول الرحلة ببساطة من مستورد إلى مجمع إلى مصنع إلى مورد محلي إلى مصدر
بهذه الطريقة نحن لا نحارب الاستيراد فقط
نحن نستخدم جزءًا من الاستيراد كنقطة بداية لبناء صناعة
وهنا يتحول المستثمر من جزء من مشكلة العملة الأجنبية إلى جزء من حلها ومن بناء قدرتنا الإنتاجية والتصديرية
ومن هنا أرى أن علينا أن ننظر إلى موقع مصر بطريقة مختلفة
أنا لا أراه فقط موقعًا جغرافيًا مميزًا
أراه ميزة إنتاجية
مصر قريبة من أوروبا وأفريقيا والمنطقة العربية. لدينا الموانئ والطاقة والسوق المحلي والقوة البشرية والبنية الأساسية
فلماذا لا نبني على ذلك ونفكر في مصر باعتبارها منصة للتصنيع والتصدير؟
لماذا يأتي المستثمر الأوروبي إلى مصر لكي يبيع في السوق المصري فقط بينما يمكن أن يأتي لينتج هنا ثم يستخدم الموردين المصريين ويطور العمالة وينقل المعرفة ويصدر من مصر إلى أسواق أخرى؟
بهذه الطريقة لا تصبح مصر فقط سوقًا قريبة من أوروبا
يمكن أن تصبح قاعدة إنتاج قريبة ومرنة
ويمكن أن تكون في الوقت نفسه بوابة إنتاج وتوزيع إلى أفريقيا والمنطقة العربية
لكن بناء هذه الفكرة لا يتوقف عند إنشاء مصنع
المصنع وحده لا يصنع منظومة صناعية
نحن نحتاج إلى مصانع كبيرة وصغيرة وصناعات مغذية ولوجستيات وتكنولوجيا وتدريب وبحث وتطوير وخدمات مالية وتجارية وطاقة تدعم الإنتاج والتصدير
المصنع الناجح يجب ألا يبقى جزيرة
يجب أن يصبح نواة تنمو حولها منظومة اقتصادية
وهنا أصل إلى نقطة أعتقد أنها مهمة جدًا في فهم الاستثمار
الاستثمار ليس مجرد رقم يدخل البلد
المال مهم بالتأكيد لكنه ليس كل شيء
الاستثمار يمكن أن يأتي معه معرفة وتكنولوجيا وخبرة إدارية وتدريب ووظائف وموردون وأسواق جديدة وقدرة على التصدير
لذلك عندما نتحدث عن نجاح الاستثمار لا أعتقد أن أفضل سؤال هو: كم مليار دولار دخلت مصر؟
الأهم أن نسأل :
كم قيمة جديدة استطعنا أن نصنع داخل مصر؟
كم منتجًا كان مستوردًا وأصبح يصنع هنا؟
كم شركة صغيرة أصبحت موردًا لشركة أكبر؟
كم مصنعًا بدأ التصدير؟
كم وظيفة ذات قيمة أُنشئت؟
وكم مستثمرًا جديدًا جاء لأنه رأى مستثمرًا آخر نجح؟
عندها نبدأ في قياس التنمية وليس فقط حركة الأموال
وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى
إذا كنا نريد إدارة تقود التنمية فلا يمكن أن نقيس نجاحها فقط بعدد الاجتماعات أو الخطابات أو الملفات التي انتقلت بين المكاتب
يجب أن نقيس ما حدث على الأرض
هل بدأ المشروع؟
هل توسع؟
هل خلق وظائف؟
هل رفع المكون المحلي؟
هل أوجد موردين؟
هل بدأ التصدير؟
هل جذب استثمارات جديدة؟
عندها تصبح الإدارة شريكًا في الإنتاج وليست مجرد بوابة إجرائية له
وهذا يتطلب شيئًا بسيطًا في شكله لكنه كبير في أثره.
أن تعمل مؤسسات الدولة حول المشروع باعتبارها دولة واحدة.
المستثمر لا يرى وزارة منفردة
هو يرى دولة واحدة
ولا يجب أن نطلب منه أن يفهم لماذا تعمل الدولة بالنسبة إليه كأنها مجموعة جزر منفصلة لكل منها إجراءاتها ومخاوفها
إذا كانت الفرصة جادة وتخدم الاقتصاد وتعمل داخل القانون فيجب أن تتجمع قدرات الدولة حول إنجاحها
ليس من أجل المستثمر وحده
بل لأن نجاح المشروع جزء من نجاح الاقتصاد المصري
وأعتقد أيضًا أننا نحتاج إلى تغيير الصورة الذهنية عن المستثمر
ليس كل مستثمر يأتي إلى مصر ليأخذ أموالنا ويرحل
المستثمر جاء لأنه يرى فرصة ونحن أيضًا نرى فرصة
هو يحتاج إلى السوق ونحن نحتاج إلى رأس ماله
هو يحتاج إلى العمالة ونحن نحتاج إلى خبرته
هو يريد الربح ونحن نريد الإنتاج والتشغيل والتصدير
إذن العلاقة الطبيعية ليست علاقة خصومة
إنها مصلحة مشتركة تحتاج إلى إدارة جيدة
ولهذا أنا أنظر إلى المستثمر الجاد الذي يأتي إلى مصر باعتباره ابنًا جديدًا لهذه المنظومة الاقتصادية
لا نريده فقط أن ينجح
نريده أن ينجح إلى درجة يصبح فيها أفضل منا في مجاله
لأن نجاحه إذا كان قائمًا على الإنتاج داخل مصر وتشغيل المصريين وتدريبهم واستخدام الموردين المحليين والتصدير من مصر لن يكون خسارة لنا
سيكون إضافة إلى قدرتنا الاقتصادية
ونحن لا نريد ابنًا يعتمد علينا
نريد ابنًا ينجح ثم يفتح الباب لغيره
وهنا أعتقد أن التحول الحقيقي يجب أن يبدأ
نحن لا نحتاج فقط إلى أن نقول إن مصر جاذبة للاستثمار
نحتاج إلى أن تصبح مصر قادرة على صناعة نجاح الاستثمار
المستثمر الناجح يصبح أفضل وسيلة لجذب مستثمر آخر
والمصنع الناجح يمكن أن يخلق حوله مصانع أخرى
والمستورد الذي يتحول إلى مصنع يخلق قيمة محلية
والمنتج الذي يبدأ للسوق المحلي يمكن أن يتحول إلى منتج للتصدير
والمنطقة الصناعية الناجحة يمكن أن تتحول إلى منظومة اقتصادية كاملة
وبذلك تتحرك العملية بصورة طبيعية من جذب الاستثمار إلى توطينه ثم توسيعه ثم تعميق القيمة المحلية ثم التصدير
وعندها لا يعود الاستثمار مجرد تدفق مالي
بل يصبح وسيلة لبناء اقتصاد يستطيع أن ينمو من داخله
في النهاية أنا لا أعتقد أن مصر تعاني من غياب الفرص بقدر ما تعاني من الفجوة بين الفرصة والقدرة على تنفيذها
لدينا الموقع
ولدينا السوق
ولدينا الطاقة
ولدينا البنية الأساسية
ولدينا الموارد البشرية
ولدينا المستثمر الذي يبحث عن فرصة
لكن كل هذه العناصر تحتاج إلى إنسان يعرف كيف يجمعها في مشروع ناجح
ولهذا أرى أن الإنسان الإداري أحد أهم أصول مصر الاستثمارية التي لا تظهر في أي تقرير اقتصادي
نحن لا نحتاج إلى التخلص من الإدارة.
نحتاج إلى تحريرها من الخوف
ولا نحتاج إلى إلغاء القواعد
نحتاج إلى أن تصبح القواعد وسيلة لتنظيم الاستثمار وحمايته لا وسيلة لتعطيله
ولا نحتاج إلى فتح الباب لكل مستثمر
نحتاج إلى معرفة المستثمر الجاد ثم توجيه قدرات الدولة لمساعدته على النجاح
لأن الدولة التي تنجح في إنجاح مستثمر واحد اليوم قد تفتح الباب أمام عشرات المستثمرين غدًا
وعندها يمكن أن يبدأ التحول الحقيقي
أن ننتقل من دولة تنتظر أن يأتي الاستثمار إليها إلى دولة تعرف كيف تحول الفرصة إلى إنتاج
ومن دولة تستقبل المستورد إلى دولة تحول المستورد إلى مصنع
ومن دولة تنتج للسوق المحلي إلى دولة تنتج للعالم
ومن دولة تجذب رأس المال إلى دولة تبني به قدرتها الإنتاجية
وعندها يمكن لمصر أن تستخدم موقعها ومواردها وقدراتها لتصبح منصة تصنيع قريبة من أوروبا وبوابة إنتاج إلى أفريقيا والمنطقة العربية
لكن الطريق إلى ذلك لا يبدأ فقط بقانون جديد أو حافز جديد أو مؤتمر استثماري جديد
قد تكون كل مفاتيح الفرصة موجودة على الطاولة
لكن إذا كان من يمسك المفتاح يخاف من فتح الباب أكثر مما يخاف من ضياع الفرصة فلن يحدث شيء
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم في مستقبل الاستثمار المصري ليس :
كيف نجذب المستثمر ؟
بل :
كيف نبني إدارة ترى نجاح المستثمر جزءًا من نجاحها هي؟
عندها فقط يمكن أن يتحول حارس المعبد إلى صانع للفرص
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق