بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
إصلاح الإصلاح… شد خط وابدأ… اغتنم الفرصة
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
هذه ليست مقالة تحسم كل قضايا مصر، ولا تحاول ذلك. هي بداية لسلسلة من المقالات غايتها الأولى أن نتفق على طريقة تفكير جديدة قبل أن نتفق على تفاصيل الحلول فالتغيير الذي نتمناه لن يأتي بمجرد أن ننتقد الواقع أو نستعيد أخطاء الماضي بل يبدأ حين نغيّر طريقة تفكيرنا وندرك أن بناء المستقبل مسؤولية مجتمع بأكمله لا حاكم وحده ولا نخبة وحدها .
مصر اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بما تحقق أو بما تعثر، وإنما بقدرتنا على الانتقال من مرحلة إلى أخرى. مرحلة نستفيد فيها مما مررنا به دون أن نظل أسرى له، ونبني على ما تحقق دون أن ننكر ما تعثر .
لقد مرت مصر منذ عام 2013 بسنوات صعبة واجهت خلالها ضغوطًا اقتصادية وأمنية وسط اضطرابات إقليمية وتداخلات دولية زادت من تعقيد المشهد . وفي خضم هذه الظروف اتخذت الدولة قرارات صعبة وبنت بنية أساسية يمكن أن تمثل قاعدة مهمة للانتقال إلى مرحلة جديدة .
وفي خضم ذلك اتخذت الدولة قرارات صعبة، وبنَت بنية أساسية حققت قدرًا من الاستقرار في محيط مضطرب. لكن قيمة ما أُنجز لا تتحدد بحجمه وحده بل بقدرتنا على توظيفه في مرحلة الإنتاج والنمو وخلق الفرص. فالبنية الأساسية ليست غاية تنتهي عند اكتمالها وإنما أساس ينبغي أن تنطلق منه دورة اقتصادية أكثر قدرة على توليد الدخل والعمل. هذه حقائق تستحق أن تُرى في سياقها لا أن تُمحى لمجرد أن ملفات أخرى لم تحقق ما كان المصريون ينتظرونه .
لكن الاعتراف بما تحقق لا يعني التوقف عنده، والاعتراف بما تعثر لا يعني هدم كل ما بُني .
من هنا تبدأ الفكرة الأولى : إصلاح الإصلاح .
لسنا مضطرين إلى إعادة كل شيء إلى نقطة الصفر، ولسنا مطالبين بقضاء سنوات أخرى في إثبات أن قرارًا هنا كان خطأ .
ما نحتاجه أن ننزل إلى أرض الواقع وننظر بوضوح إلى ما لدينا من إمكانات ومؤسسات وخبرات
ثم نسأل :
كيف نجعل ما تحقق قادرًا على إنتاج قيمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية ؟
المشروع الذي أُنشئ يجب أن يتحول إلى فرصة إنتاج والبنية الأساسية يجب أن تجذب الاستثمار وتخلق فرص العمل والإنفاق الذي تحملته الدولة يجب أن تكون له عوائد واضحة .
وما لم يحقق أهدافه يجب أن يخضع للمراجعة والتطوير لا للدفاع عنه لمجرد أنه أصبح جزءًا من الماضي. فالإصلاح الاقتصادي لا يُقاس بالأرقام وحدها بل بقدرته على تحسين حياة الناس .
أما الفكرة الثانية فهي :
شد خط وابدأ .
مصر تحتاج إلى مراجعة جادة لعلاقتها بالماضي السياسي والفكري .
ليس المطلوب إقصاء كل من شارك في الحياة العامة ولا الحكم على الأشخاص لمجرد أنهم من جيل أقدم. المطلوب أن نتوقف عن التعامل مع الأسماء القديمة باعتبارها الخيار الوحيد وأن نفتح المجال أمام جيل جديد يمتلك المعرفة والطموح والقدرة على تحمل المسؤولية . من شارك في صنع القرار يجب أن تُقيَّم تجربته بنتائجها، ومن قدم رؤية يمكن أن تُدرس أفكاره أما من اكتفى بالتنظير لسنوات دون تصور عملي قابل للتنفيذ فلا ينبغي أن يحدد وحده اتجاه المستقبل .
المشكلة ليست في الخلاف بل في أن نظل ندور حول الأشخاص أنفسهم والأسئلة نفسها بينما يتغير العالم من حولنا .
وتمكين الشباب لا يعني وضع وجوه صغيرة في مواقع المسؤولية ثم ترك آليات التفكير القديمة تعمل كما كانت. التمكين الحقيقي يعني منحهم فرصة المشاركة في صياغة الرؤية وصناعة القرار وتحمل نتائجه واختيارهم على أساس الكفاءة والنزاهة لا العمر وحده. شباب يعرفون تاريخ بلدهم، ويدركون تعقيدات اقتصادها، لكنهم لا يعتبرون حدود الواقع الحالي نهاية الطريق. ولن يكون من المنطقي أن نطالبهم بالمسؤولية ثم نتركهم وحدهم أمام كل العقبات .
أما الفكرة الثالثة فهي :
اغتنم الفرصة .
أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع خرج من سنوات صعبة ليس أن يتعثر في بعض خطواته بل أن يفقد القدرة على رؤية الفرص المتاحة وينشغل بمعارك الماضي حتى يفوته المستقبل. نحن لا نحتاج إلى حرب جديدة لإثبات أن هذا كان مخطئًا أو أن تلك الفكرة لم تكن مناسبة .
ما نحتاج إليه أن نعرف أي الأفكار تساعد مصر الآن وأي الخبرات تسهم في حل مشكلاتها، وأي الفرص ما زالت متاحة ويمكن تحويلها إلى نتائج .
هذه ليست دعوة إلى نسيان الماضي أو التنازل عن المحاسبة .
المحاسبة ضرورية حتى لا تتكرر الأخطاء، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن العمل . والنقد مهم حتى نرى الخلل لكنه يفقد قيمته حين يصبح غاية في ذاته. لقد دفعت مصر أثمانًا كبيرة حتى تصل إلى هذه المرحلة ومن حق المواطن أن يرى أثر ما تحمله في صورة فرص عمل أفضل ودخل أكثر استقرارًا وخدمات أكثر كفاءة .
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع بمجرد تغيير بعض الأسماء أو إعلان مرحلة جديدة. إنها تحتاج إلى تغيير في طريقة تفكير المجتمع نفسه: أن نتوقف عن تقديس الأشخاص ونمنح الأفكار فرصة للاختبار، ونقبل اختلاف الرؤى ما دامت هناك أهداف مشتركة. فالوطن أكبر من أي شخص، والمصلحة العامة أهم من انتصار أي تيار .
وعلى النخبة المصرية بمختلف اتجاهاتها أن تدرك أن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مزيد من المنافسة على احتكار الحقيقة بل إلى منافسة حقيقية في تقديم الحلول. لا نريد فقط من يخبرنا بما حدث ولماذا، وإنما من يستطيع أن يوضح ما يمكن فعله الآن، وما الموارد المطلوبة وما العقبات المتوقعة .
أكتب هذه الكلمات من موقع المواطن الذي يريد أن يرى مصر في المكانة التي تستحقها .
لا أبحث عن انتصار لفكرة قديمة ولا عن إدانة شاملة لمرحلة مضت بل عن قدرة على البناء فوق ما لدينا وفتح المجال أمام من يستطيع أن يقدم إضافة حقيقية .
إصلاح الإصلاح … شد خط وابدأ … اغتنم الفرصة .
ثلاث عبارات أراها أكثر من مجرد شعارات .
إنها دعوة إلى أن نغلق باب الاستنزاف الفكري في معارك الماضي ونفتح باب العمل المسؤول من أجل المستقبل . فمصر لا تحتاج إلى أن يثبت أبناؤها أن الماضي كان كله خطأ أو كله صواب بل تحتاج إلى أن يثبتوا أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل .
وهذا المقال ليس نهاية الطريق بل بدايته. فإن اتفقنا على ضرورة تغيير طريقة التفكير سوف يكون المقال القادم عن إصلاح مسار التنمية الاقتصادية :
كيف نحول ما لدينا من أصول وإمكانات إلى إنتاج حقيقي يلمسه المواطن. ثم نتناول تجديد النخبة، وتمكين الشباب وأخيرًا ربط الأفكار بالتنفيذ والمحاسبة. سلسلة متدرجة لا تحسم كل شيء في مقال لكنها تضع الخطوة الأولى على الطريق .
فالأوطان لا تتقدم بانتصار الأفكار القديمة على بعضها وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار جديدة وتحويلها إلى واقع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق