الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

ضريبة الغربةحين تتحول المسافات إلى بنك مفتوح، ويصبح الجحود رفيق الدرب

بقلم / محمود الالفي  مستشار علاقات دبلوماسية وحقوق الإنسان 
الغربة ليست مجرد خط على خريطة أو سفر وراء الرزق، بل هي رحلة صامتة في أرواح المتعبين، يتجرع خلالها الإنسان مرارة البعد، وشوق الحنين، وقسوة الوجود وحيداً في مواجهة تقلبات الحياة. لكن القسوة الأكبر التي لا تظهر في أغاني الحنين ولا تحكيها وجوه العائدين، هي تلك التي تأتي من الخلف.. من الأهل والأصحاب في بلد الميلاد.
حين يرحل الإنسان باحثاً عن لقمة عيش كريمة، يعتقد السواد الأعظم في وطنه أنه قد عثر على مصباح علاء الدين، وأن الأوراق النقدية تسقط عليه من السماء. يتحول المغترب في نظرهم إلى «بنك متنقل» أو «صراف آلي» مفتوح بلا كود سري ولا حدود للسحب. تتوالى الطلبات: «سلف بالملايين»، «دبر لي هذا المبلغ»، أو «أنت معك الكثير ولا تحس بنا». لا أحد يسأل عن حجم الديون التي تثقل كاهله، ولا عن ساعات العمل الطويلة، ولا عن الغربة النفسية التي تلتهم روحه يوماً بعد يوم. هم يرون السطح البراق فقط، ولا يرون الأعماق المظلمة
الأسوأ من طلب المال هو تحويل العلاقات الإنسانية إلى مقايضة باردة. تجد المغترب محاطاً بـ «كلام معسول» لا يُقصد به ود حقيقي، بل هو مفتاح سحري لجيب الكوتة أو الهدايا الفاخرة. يطلبون منه أجود الهدايا وأغلاها، وكأن هداياهم هي ثمن لهذا الكلام المعسول.
ولكن، عندما تنعكس الآية.. عندما يحتاج المغترب إلى كلمة طيبة في مناسبة تخصه، أو فرح يشاركه فيه أحبابه، لا يجد سوى الصمت أو التجاهل. لا هدايا، ولا حتى سؤال حقيقي عن الحال. إنه طرف واحد يمنح بلا حدود، وطرف آخر يتلقى بلا قناعة ولا امتنان.
ولعل الذروة القاسية لهذا الاستغلال تظهر بوضوح حين تمرض روح الجسد المنهك. تخيل إنساناً محجوزاً على فراش المرض في مستشفي غربة بعيداً عن أمه وأهله، يتألم في صمت ويصارع المرض، وفي نفس الوقت يتزامن مرضه مع مناسبة اجتماعية أو عيد في بلد الميلاد.
إذا لم يرسل المغترب الهدايا والأموال في موعدها المحدد، تماماً كما لو كان في كامل عافيته، فإن عتاب الأحباب يتحول إلى غضب عارم، والخصام يصبح سيد الموقف. وكأن المرض عذر مرفوض، وكأن إنسانيته وتألمه لا قيمة لهما إذا تعارضتا مع "البرستيج" الاجتماعي للعائلة أو الأصحاب هناك. لا أحد يسأل: "كيف حال صحتك؟"، بل السؤال الدائم: "أين هديتنا؟ وأين ما تبرعت به للمناسبة؟".
المغترب يعاني بصمت؛ يحمل هموم بناء مستقبل ومواجهة حياة ضارية، وفوق ذلك يحمل عبء إرضاء نفوس لا تشبع ولا تقدر الظروف. إن الجحود الذي يلقاه من القريب قبل البعيد يترك في الروح ندوباً لا تبرؤها الأيام.
فلتدركوا أن المغترب ليس خزنة نقود، بل هو إنسان يحتاج إلى الحضن الدافئ لا إلى القوائم الطويلة للطلبات، ويحتاج إلى من يسأل عن تعبه قبل أن يسأل عن جيبه. الغربة كفيلة بأن تكسر الظهر، فلا تزيدوها كسراً بالجحود والاستغلال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot