الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

ليس كل بيت مغلق آمنًا

بقلم د/إيناس حلمي عبد السلام 
أخصائي الإرشاد الأسري والصحة النفسية 
ليس كل بيت مغلق آمنًا
هناك بيوت تبدو من الخارج هادئة إلى درجة تجعلك تتمنى أن تعيش مثل أهلها
باب يغلق في المساءأنوار تضيء النوافذصور عائلية تملأ صفحاتهم على مواقع التواصل
ضحكات في المناسبات
وأبناء يبدون أمام الآخرين وكأنهم يعيشون حياةمستقرة
لكن خلف بعض الأبواب حكايات لا يعرفها أحد
زوجان يعيشان تحت سقف واحد منذ سنوات لكنهما لم يعودا يعرفان كيف يتحدثان معًا
أم تبتسم طوال الوقت بينما تخفي في داخلها شعورا عميقا بأنها استنفدت كل ما لديها
أب يعود إلى منزله كل يوم لكنه غائب عن أبنائه بحضوره وصمته وانشغاله
طفل يتعلم مبكرا جدا أن الصمت أكثر أمانا من الكلام
وابنة تكبر وهي تظن أن الحب يعني أن تتحمل وأن تسكت وأن تتنازل حتى لا تخسر من تحب
المشكلة أن الأسرة لا تنهار دائما بصوت مرتفع
أحيانا يبدأ الانهيار في صورة تفاصيل صغيرة جدا
كحوار لم يكتمل او اعتذار لم يحدث اوحضن غاب
وسؤال لم يسأل
ثم يتحول التأجيل إلى مسافة
وتتحول المسافة إلى برود
ويصبح البرود مع الوقت حياة كاملة يعيشها أفراد الأسرة وهم يقنعون أنفسهم أن كل شيء بخير
لكن هل كل ما يستمر يكون سليما؟
بالطبع لا
هناك علاقات تستمر سنوات وهي في الحقيقة تحتاج إلى إنقاذ
وهناك بيوت لا ينقصها الطعام ولا المال ولا الأثاث الجميل
لكن ينقصها الأمان النفسي
والأمان النفسي داخل الأسرة ليس رفاهية
أن يشعر الزوج أنه يستطيع التعبير دون أن يتم التقليل منه
أن تشعر الزوجة أن مشاعرها مسموعة وليست عبئا
أن يعرف الطفل أن الخطأ لا يجعله أقل قيمة
أن يستطيع الابن العودة إلى بيته دون أن يشعر أنه عائد إلى مكان عليه أن يحذر فيه من كل كلمة
هذه الأشياء هي التي تصنع البيت الحقيقي
وليس عدد الغرف ولا مستوى المعيشة ولا الصور الجميلة
وأحيانا يكون أخطر ما يحدث داخل الأسرة أن الجميع يتظاهر بأن شيئا لم يحدث
فالأسرة التي لا تتحدث عن مشكلاتها لا تختفي مشكلاتها
هي فقط تتعلم كيف تخفيها
ومع الوقت يصبح كل فرد خبيرا في إخفاء ألمه عن الآخر
حتى يأتي يوم يكتشف فيه الزوج أن زوجته لم تعد تنتظر منه شيئا
وتكتشف الزوجة أن زوجها لم يعد يحاول
ويكتشف الأبناء أنهم كبروا وهم يحملون أشياء لم تكن أعمارهم تسمح بحملها
هنا يأتي السؤال الأهم
متى نطلب المساعدة؟
الإجابة ليست عندما يصل البيت إلى حافة الانهيار فقط
بل عندما نلاحظ أن الحوار أصبح معركة
وأن القرب أصبح ثقيلا
وأن أحد أفراد الأسرة بدأ ينسحب باستمرار
وأن الغضب أصبح اللغة الوحيدة
وأن الطفل تغير سلوكه بشكل واضح
وأن أحد الزوجين يشعر بالوحدة رغم وجود الآخر

الإرشاد الأسري لا يعني أن المرشد سيقرر من المخطئ ومن المصيب

ولا يعني أن كل مشكلة نهايتها الانفصال

الإرشاد الحقيقي يبدأ بمحاولة فهم ما حدث

كيف وصلنا إلى هنا
وكيف نستعيد القدرة على الحديث قبل أن يصبح الصمت هو القرار الوحيد

فليس الهدف أن نحافظ على شكل الأسرة أمام الناس
الهدف أن تصبح الأسرة من الداخل مكانا صالحا للحياة
لأن البيت الآمن ليس البيت الذي لا تحدث فيه المشكلات
فالاختلاف طبيعي
والغضب طبيعي
والخطأ طبيعي
لكن البيت الآمن هو الذي يعرف أفراده كيف يختلفون دون أن يهدم أحدهم الآخر
لكن خلف ذلك الباب إنسان ينتظر منذ سنوات أن يسأله أحد أنت بخير حقا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot