الاثنين، 26 أكتوبر 2026

لغه المال لا الفن


سالي النجار تكتب 
إن سطوة المال وقدرته الخفية على إعادة صياغة المفاهيم والأخلاق هي التي تدفع البعض إلى تقديم التنازلات الباهظة تحت غطاء الفن والحرية، حيث يتحول الضمير الإنساني إلى سلعة رخيصة في سوق الإنتاج الفني. فمنذ عقود، لعبت الإغراءات المالية دوراً محورياً في دفع بعض النجوم نحو تخطي الخطوط الحمراء، والتخلي تدريجياً عن المعايير المجتمعية والدينية التي تنظم السلوك العام، وكأن الشاشة أصبحت مساحة مستباحة تبرر فيها الأرباح كل أشكال الانفلات.
وتتجلى هذه السطوة في مشاهد بعينها أثارت الكثير من الجدل والصدمة بين الجمهور، مثل تلك اللقطات الجريئة التي قدمتها منى زكي في فيلم "أصحاب ولا أعز"، والتي تجاوزت المألوف وأحدثت صدمة ثقافية غير مسبوقة، تلتها لاحقاً إعلانات تجارية استفزت الشارع المصري والعربي، حيث ظهرت تتغزل بمنتجات استهلاكية عادية بطريقة مبالغ فيها اعتبرها النقاد والجمهور استخفافاً بالعقول وسعياً محموماً خلف الأرقام الفلكية بغض النظر عن القيمة الفنية. ولا يمكن إغفال النجم عادل إمام، الذي رغم تاريخه الفني الطويل في تقديم أفلام اعتبرها البعض جريئة أو هابطة، وقف موقفاً صارماً برفضه القاطع دخول ابنته مجال التمثيل حتي لا تتعرض لنفس المواقف التي ظهرت فيها زميلاتها، مصرّاً في تصريحاته الشهيرة على أن كل فنانة اختارت طريقها بكامل إرادتها وتقاضت ثمن مشاهدها بمحض رضاها.
وامتدت هذه الظاهرة لتشمل كلاسيكيات السينما، حيث خاض الراحل عزت العلايلي تجارب جريئة كلياً بخلع ملابسه تماماً أمام الكاميرات في فيلم "ذئاب لا تأكل اللحم"، متخلياً عن كافة القيود التقليدية، تماماً مثل الراحلة ناهد شريف التي قدمت أدواراً بالغة الجرأة، محطمة كل المحظورات، لتطرح التساؤلات المؤلمة حول ما إذا كانت هذه التنازلات تُقدم حقاً لخدمة الفن والمجتمع أم أنها كانت محكومة بهاجس العائد المالي البحت. وفي سياق متصل، برز اسم السيناريست والشاعر مدحت العدل كأحد أبرز المدافعين عن هذا الخط الفني المتحرر، حيث طالما دافع في تصريحاته عن الأعمال التي يراها البعض خارجة عن المألوف، معتبراً إياها تعبيراً عن حرية الإبداع، مما جعله في مواجهة مستمرة مع التيارات المحافظة والجمهور الغاضب.
ولم تقتصر هذه الحالة على الأعمال الدرامية وحدها، بل امتدت لتشمل الكواليس والمهرجانات الكبرى مثل مهرجان الجونة السينمائي، الذي طالما شهد فضائح وإطلالات جريئة ومثيرة للجدل من نجمات مثل يسرا وإلهام شاهين وشيرين رضا وغيرهن، حيث تحولت السجادة الحمراء في كثير من الأحيان إلى منصة لاستعراض التحرر والموضة المثيرة للجدل على حساب المضمون الثقافي، متجاهلة مشاعر وتقاليد الجمهور العربي الذي بات يشعر بأن الفن انفصل تماماً عن قضاياه الحقيقية.
وعلى مر التاريخ، وصف القرآن الكريم هذه الفئة التي تسعى لإشاعة الفاحشة وتتمنى لو أن المجتمع بأكمله يتساوى معها في الانحراف والانحلال، كما جاء في سورة النساء في قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، في إشارة واضحة إلى الرغبة الدفينة لدى البعض في جر الآخرين إلى مستنقع التنازلات لتبرير أفعالهم وإسكات أصوات الضمير المجتمعي الحية
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot