عن المرأة المطلقة التي تعمل لتعيش... لا لتُستغل
هناك نوع من الظلم لا يظهر في المحاكم، ولا تلتقطه الكاميرات، ولا يراه الناس بسهولة...
ظلم يحدث خلف أبواب المكاتب، وفي أماكن العمل، وفي تفاصيل صغيرة يظن البعض أنها عادية، بينما تترك داخل الإنسان جرحًا لا يُرى.
إنها حكاية المرأة المطلقة التي اضطرتها الحياة إلى أن تبدأ من جديد.
امرأة ربما خرجت من تجربة زواج مؤلمة، تحمل فوق كتفيها مسؤوليات كثيرة، وربما لديها أبناء يحتاجون إليها، وأسرة تنتظر منها أن تكون قوية رغم أنها من الداخل تحاول فقط أن تلتقط أنفاسها.
تبحث عن عمل...
لا تبحث عن شفقة.
ولا تريد صدقة.
ولا تنتظر من أحد أن ينقذها.
هي فقط تريد فرصة عادلة تستطيع من خلالها أن تكسب رزقها بكرامة.
لكن للأسف، هناك من يرى في ظروفها نقطة ضعف، وليس قصة إنسان يستحق الاحترام.
فيبدأ الاستغلال.
عندما يعرف صاحب العمل أنكِ محتاجة
أصعب ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يتحول احتياجه إلى ورقة يستخدمها الآخرون ضده.
بعض أصحاب الأعمال عندما يعرفون أن الموظفة مطلقة، وأن لديها التزامات، وأنها تحتاج إلى الراتب، يبدأون في اختبار حدود قدرتها على الرفض.
"اعملي ساعات زيادة."
"خليكي بعد مواعيد الشغل."
"المرتب ده كويس بالنسبة لظروفك."
"لو مش عاجبك، في غيرك كتير."
ومع كل جملة من هذه الجمل، تصبح المرأة أمام معادلة قاسية:
إما أن تقبل...
أو تخسر مصدر رزقها.
وهنا لا تعود المسألة مجرد وظيفة.
بل تصبح معركة يومية بين الحاجة والكرامة.
المطلقة ليست امرأة بلا ظهر
من أكثر الأفكار ظلمًا أن ينظر البعض إلى المرأة المطلقة وكأنها إنسانة بلا حماية، وبالتالي يمكن الضغط عليها أكثر من غيرها.
طلاقها لا يعني أنها ضعيفة.
وكونها مسؤولة عن أطفال لا يعني أنها مستعدة لقبول الإهانة.
وحاجتها إلى المال لا تعني أن كرامتها أصبحت مباحة.
هي امرأة مرت بظرف اجتماعي، وليس تصريحًا مفتوحًا لأي شخص لكي يتجاوز حدود التعامل معها.
بل ربما تكون المرأة المطلقة أقوى من كثيرين؛ لأنها اضطرت إلى أن تواجه الحياة وحدها، وأن تتحمل مسؤوليات ربما لم تكن تتخيل يومًا أنها ستتحملها.
أخطر أنواع الاستغلال ليس المال فقط
عندما نتحدث عن استغلال المرأة المطلقة في العمل، لا يجب أن نحصر الأمر في تقليل الراتب أو زيادة ساعات العمل.
هناك استغلال نفسي أيضًا.
أن تشعرها دائمًا بأنها مهددة بفقدان وظيفتها.
أن تجعلها تخاف من الاعتراض.
أن تستغل احتياجها للعمل للحصول على تنازلات لا علاقة لها بالوظيفة.
أن تتعامل معها على أساس أنها "محتاجة"، وبالتالي عليها أن تتحمل ما لا يتحمله غيرها.
وقد يصل الأمر أحيانًا إلى استغلال عاطفي أو تجاوزات شخصية تحت غطاء العمل.
وهنا تصبح المشكلة أخطر بكثير.
لأن الإنسان عندما يضعف أمام احتياج شخص آخر، ثم يستخدم هذا الاحتياج لمصلحته، فهو لا يمارس سلطة وظيفية فقط...
بل يمارس نوعًا من القسوة الإنسانية.
لماذا تصمت بعض النساء؟
قد يسأل البعض:
لماذا لا تترك العمل؟
والإجابة ليست بهذه السهولة.
لأن هناك إيجارًا.
وهناك أطفالًا.
وهناك مصاريف مدارس.
وهناك علاج.
وهناك بيت يحتاج إلى طعام.
وهناك أم أو أب أو أسرة قد تكون المرأة مسؤولة عنهم.
وفي أحيان كثيرة، تكون الوظيفة هي الحبل الوحيد الذي تتمسك به.
لذلك لا ينبغي أن نحكم على امرأة صمتت بأنها ضعيفة.
ربما كانت قوية جدًا...
لكنها كانت تحاول أن تحمي أطفالها من الجوع قبل أن تحمي نفسها من الظلم.
لا تجعلوا الحاجة جريمة
المجتمع أحيانًا يطلب من المرأة أن تعمل، ثم يحاسبها لأنها تعمل.
يطالبها بأن تكون مستقلة، ثم عندما تدخل سوق العمل ينظر إليها باعتبارها فرصة سهلة للاستغلال.
يريدها أن تتحمل مسؤولية أولادها، ثم لا يمنحها المساحة الكافية لتعمل بكرامة.
نحن بحاجة إلى تغيير هذه النظرة.
المرأة التي تعمل بعد الطلاق لا تفعل شيئًا يستوجب الخجل.
هي تحاول أن تبني حياة جديدة.
تحاول أن تكون أمًا ومسؤولة وموظفة وإنسانة في الوقت نفسه.
ومن حقها أن تحصل على أجر عادل، وساعات عمل واضحة، وبيئة محترمة، وحدود مهنية لا يتجاوزها أحد.
صاحب العمل المحترم لا يستغل نقطة ضعف موظفه
هناك فرق كبير بين مدير يدير مؤسسة...
وشخص يستخدم منصبه للسيطرة على الآخرين.
المدير الحقيقي يعرف أن الموظف إنسان قبل أن يكون رقمًا في كشوف المرتبات.
يعرف أن ظروف الموظفين ليست مادة للمساومة.
ولا يستخدم أسرارهم الشخصية أو ظروفهم الاجتماعية للضغط عليهم.
ولا يقول لموظفة:
"أنتِ مطلقة ومحتاجة للشغل."
بل يقول:
"هذا حقك، وهذا واجبك، وهذا أجرك."
هذه هي المهنية.
وهذه هي الأخلاق.
رسالة إلى كل امرأة مطلقة تعمل
لا تسمحي لأحد أن يقنعك أنكِ أقل قيمة لأنكِ مطلقة.
لا تسمحي لأحد أن يستخدم احتياجك كسلاح ضدك.
اعملي...
واجتهدي...
وتعلمي...
وطوري نفسك...
لكن ضعي حدودًا واضحة.
قولي "لا" عندما يكون المطلوب منكِ تجاوزًا لحقوقك.
ولا تخجلي من المطالبة بأجرك.
ولا تقبلي الإهانة بحجة أنكِ "محتاجة".
الحاجة مؤقتة...
لكن كسر الإنسان لكرامته قد يترك أثرًا طويلًا.
وتذكري دائمًا:
أنتِ لا تعملين لأنكِ ضعيفة، بل لأنكِ قوية بما يكفي لتواجهي الحياة.
وإلى كل رجل يملك سلطة على امرأة في العمل
تذكر أن القوة اختبار للأخلاق.
عندما تكون في موقع تستطيع فيه أن تمنح أو تمنع، أن توظف أو تفصل، أن تزيد أو تقلل، فأنت أمام مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية إدارية.
لا تستغل امرأة لأنها مطلقة.
ولا تستغل رجلًا لأنه محتاج.
ولا تستغل إنسانًا لأنه لا يستطيع الرد.
فالإنسان الحقيقي لا يقيس قدرته على الآخرين بمدى خوفهم منه.
بل يقيسها بمدى عدله معهم.
في النهاية...
المرأة المطلقة ليست فرصة.
ليست فريسة.
ليست إنسانة بلا قيمة.
وليست مضطرة أن تدفع ثمن احتياجها من كرامتها.
هي إنسانة مرت بتجربة ربما كسرت الكثير بداخلها، لكنها قررت أن تقف مرة أخرى.
وكل ما تحتاجه ليس منقذًا...
بل فرصة عادلة.
مكان عمل يحترمها.
راتبًا يتناسب مع جهدها.
ومعاملة تحفظ لها إنسانيتها.
لأن المجتمع الذي يطالب المرأة بأن تكون قوية، يجب عليه أيضًا أن يتوقف عن معاقبتها عندما تحاول أن تكون قوية.
والحقيقة التي يجب ألا ننساها أبدًا:
ليس الفقر عيبًا، وليس الطلاق عارًا، وليس الاحتياج إذنًا لأحد بأن يهين الإنسان أو يستغله.
فالاختبار الحقيقي للأخلاق ليس كيف تعامل القوي...
بل كيف تعامل من تعرف أنه لا يستطيع أن يرد عليك.
بقلم: د. سلمى أبو النجا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق