بقلم كرم ايمن سعد غفرى مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الانسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الانسان
ومحرر ومراسل بجريدة قلب الحدث لايف.
حين يكون الإنسان هو المنافس الحقيقي لنفسه، يصبح نجاحه قصة لا يستطيع أحد تكرارها
هناك أشخاص يولدون ليصنعوا لأنفسهم مكانًا في الحياة، وهناك آخرون يقضون حياتهم في مراقبة من سبقوهم، يبحثون عن خطواتهم، ويقارنون أنفسهم بهم، وينتظرون لحظة تعثرهم حتى يحاولوا احتلال المكان الذي وصل إليه غيرهم.
لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها كل إنسان يسعى إلى النجاح هي أن البطل يظل بطلًا، حتى إذا غاب عن المشهد، بينما يبقى الكومبارس كومبارسًا مهما حاول تقليد البطل.
قد يموت البطل، وقد يبتعد، وقد يتوقف عن الظهور، لكن سيرته تبقى، وأثره يستمر، وما صنعه بجهده يتحول إلى جزء من ذاكرة الناس والتاريخ.
أما من عاش طوال حياته تابعًا لغيره، فإن رحيل الشخص الذي كان يراقبه لا يمنحه بالضرورة مكانته؛ لأن المكانة لا تُمنح بمجرد الغياب، وإنما تُبنى بالعمل والقدرة والخبرة والتجربة والإنجاز.
لا تبحث عن نسخة منك
أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الإنسان أن ينظر إلى غيره ثم يبدأ في التشكيك في نفسه.
لماذا هو أفضل مني؟
لماذا نجح قبلي؟
لماذا يراه الناس أكثر قدرة؟
ولماذا استطاع الوصول إلى مكان لم أصل إليه؟
هذه الأسئلة قد تكون مفيدة إذا تحولت إلى دافع للتعلم، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى جلد للذات وفقدان للثقة.
فأنت لست مطالبًا بأن تكون نسخة من أحد.
قد تجد إنسانًا يشبهك في بعض صفاته، أو يسلك طريقًا قريبًا من طريقك، أو يمتلك بعض قدراتك، لكنه لن يكون أنت.
لك تجربتك.
ولك ظروفك.
ولك نقاط قوتك وضعفك.
ولك طريقة تفكيرك.
ولك الطريق الذي لا يستطيع أحد أن يسلكه بالطريقة نفسها التي سلكتها أنت.
ولهذا فإن الإنسان الناجح لا يقضي حياته في محاولة أن يصبح شخصًا آخر، وإنما يعمل على أن يصبح أفضل نسخة من نفسه.
النجاح ليس سباقًا مع الآخرين
النجاح الحقيقي ليس أن تتفوق على شخص آخر مرة واحدة.
النجاح الحقيقي أن تتفوق اليوم على نفسك التي كنت عليها بالأمس.
أن تتعلم شيئًا جديدًا.
أن تطور مهارة.
أن تزيد خبرتك.
أن تصلح خطأ.
أن تتحول من الضعف إلى القوة.
ومن الفوضى إلى التنظيم.
ومن التردد إلى القرار.
ومن المعرفة المحدودة إلى المعرفة الأوسع.
وهنا تبدأ رحلة النجاح الحقيقية.
فكل درجة تصعدها نتيجة تراكم طويل من العمل والتجربة والصبر.
وقد يرى الناس النتيجة النهائية، لكنهم لا يرون الساعات الطويلة التي سبقتها، ولا الأخطاء التي تعلمت منها، ولا اللحظات التي كدت فيها أن تتراجع ثم قررت الاستمرار.
عندما يتحول الآخر إلى "كومبارس" في حياتك
في الحياة قد تصادف شخصًا لا يستطيع أن يبني نجاحه الخاص، فيبدأ بمحاولة مراقبة نجاح الآخرين.
لا يسأل:
كيف أبني نفسي؟
بل يسأل:
كيف وصل فلان؟
ثم ينتقل من المراقبة إلى المقارنة، ومن المقارنة إلى التقليد، ومن التقليد أحيانًا إلى البحث عن نقاط الضعف.
وهنا يتحول الإنسان من منافس شريف إلى شخص يعيش على نجاح غيره.
قد يحاول معرفة تفاصيل خطواتك.
قد يراقب قراراتك.
قد يحاول اكتشاف طريقة عملك.
وقد ينتظر خطأً صغيرًا حتى يستغله.
لكن المشكلة الأساسية ليست في هذا الشخص وحده، وإنما في الإنسان الذي يسمح للآخرين بأن يعرفوا عنه كل شيء.
ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله
من الحكمة أن يكون للإنسان جزء خاص من حياته لا يفتحه أمام الجميع.
ليس المقصود أن يعيش الإنسان في خوف أو شك دائم في الآخرين، وإنما أن يتعلم الحدود الصحية والخصوصية.
ليس كل مشروع يجب الإعلان عنه قبل اكتماله.
وليس كل قرار يحتاج إلى شرح.
وليس كل فكرة يجب أن يعرفها الجميع.
وليس كل خطوة في طريق النجاح تحتاج إلى جمهور.
أحيانًا يكون الصمت جزءًا من القوة.
والخصوصية ليست ضعفًا، بل وسيلة لحماية التركيز.
لكن يجب ألا تتحول الخصوصية إلى عزلة مرضية أو خوف دائم من الناس؛ فالحياة الصحية تقوم أيضًا على الثقة المتوازنة، والعلاقات السليمة، وطلب المشورة من الأشخاص الموثوقين.
أخطر منافس قد يكون أنت
قد يظن الإنسان أن أعداء نجاحه هم الحاسدون أو الحاقدون أو المنافسون.
لكن في كثير من الأحيان يكون أخطر ما يواجهه هو نفسه.
الخوف.
التردد.
التسويف.
الغرور.
الإحباط.
الاستسلام بعد أول فشل.
مقارنة النفس بالآخرين.
الاعتقاد بأن النجاح يجب أن يأتي سريعًا.
كل هذه الأشياء يمكن أن توقف إنسانًا موهوبًا أكثر مما يستطيع أي منافس خارجي أن يفعل.
ولهذا فإن أول معركة يجب أن يخوضها الإنسان هي مع نقاط ضعفه.
اهزم ترددك قبل أن تحاول هزيمة منافسك.
طور نفسك قبل أن تنتقد غيرك.
أصلح أخطاءك قبل أن تبحث عن أخطاء الآخرين.
فإذا انتصرت على نفسك، أصبح الطريق أمامك أكثر وضوحًا.
لا تخف من المقلدين
إذا رأيت شخصًا يحاول أن يفعل ما تفعله، فلا تجعل ذلك يهز ثقتك بنفسك.
فالتقليد في حد ذاته ليس دليلًا على أن الآخر أصبح مثلك.
قد يقلد شخص أسلوبك، لكنه لا يستطيع تقليد سنوات تجربتك.
قد يستخدم أدواتك، لكنه لا يستطيع نسخ طريقة تفكيرك.
قد يعرف خطواتك، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على تكرار الرحلة نفسها.
وقد يصل إلى نتيجة تشبه نتيجتك، لكنه لن يعيش قصتك.
فالنجاح ليس مجرد حركة خارجية يمكن تصويرها ونسخها.
إنه مجموعة ضخمة من المعرفة والتجربة والانضباط والقرارات والتوقيت والظروف والقدرة على التعامل مع الأزمات.
ولهذا فإن نسخ المظهر لا يعني امتلاك الجوهر.
لا تجعل نجاحك سببًا للغرور
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول الحديث عن البطل إلى دعوة للغرور.
فليس معنى أنك نجحت أنك أصبحت أفضل من جميع الناس.
وليس معنى أن شخصًا سبقك في مجال أنك فاشل.
فالناس درجات، والقدرات مختلفة، والفرص متفاوتة، والظروف ليست واحدة.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
وهذه الحقيقة كفيلة بأن تجعل الإنسان الناجح متواضعًا.
تعلم ممن سبقك.
واستفد من أصحاب الخبرة.
واعترف بأن هناك من يتفوق عليك في بعض الجوانب.
وفي المقابل، لا تسمح لأحد أن يقنعك بأنك بلا قيمة.
فوجود شخص أفضل منك في مجال لا يعني أنك بلا قيمة.
ووجود شخص أقل منك في مجال لا يجعلك أفضل منه في كل شيء.
الإنسان الناجح يعرف قيمته دون أن يحتقر قيمة الآخرين.
لكل إنسان مساحة من التفوق
قد لا تكون في المركز الأول اليوم.
وهذا لا يعني أنك لن تصل.
فالنجاح رحلة وليس لقطة واحدة.
قد تتقدم خطوة ثم تتراجع خطوة.
قد تفشل في مشروع ثم تنجح في مشروع آخر.
قد تعمل سنوات دون أن ترى النتيجة التي تريدها.
ثم تأتي مرحلة يبدأ فيها تراكم خبرتك في الظهور.
ولهذا فإن النجاح يحتاج إلى الصبر بقدر ما يحتاج إلى الموهبة.
فالازدهار الحقيقي لا يأتي دائمًا بسرعة.
إنه غالبًا نتيجة:
عمل مستمر + إتقان + تعلم + صبر + مراجعة للأخطاء + قدرة على الاستمرار.
كل يوم تضيف فيه شيئًا إلى نفسك، أنت تقترب من مستوى جديد.
لا تجعل الآخرين يرسمون نهايتك
قد يضع شخص أمامك عراقيل.
وقد يحاول آخر إحباطك.
وقد يسخر أحدهم من طموحك.
وقد يخبرك البعض أنك لن تستطيع.
لكن لا أحد يستطيع أن يعرف إلى أين يمكن أن تصل إذا واصلت التعلم والعمل.
لا تسمح لتقييم الآخرين أن يصبح تقييمك لنفسك.
استمع للنقد عندما يكون مفيدًا.
وتعلم من النصيحة عندما تأتي من شخص يريد لك الخير.
لكن لا تجعل كلام الحاقدين هو المرآة التي ترى بها نفسك.
أنت أدرى بما بذلته.
وأنت تعرف كم مرة بدأت من جديد.
وأنت تعرف كم معركة خضتها دون أن يراك أحد.
ولهذا لا تجعل رأي شخص لم يعش رحلتك يحدد قيمتك.
القدر لا يلغي السعي
الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام.
والتوكل لا يعني ترك الأسباب.
فالإنسان مأمور بالسعي والعمل والأخذ بالأسباب، ثم يترك النتائج لله.
قد تضع خطة ولا تسير الأمور كما أردت.
وقد تسعى إلى باب فيغلق أمامك.
وقد تظن أن طريقًا معينًا هو الأفضل ثم تكتشف أن طريقًا آخر كان أنسب لك.
هنا يأتي معنى التوكل الحقيقي:
اعمل بما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لله.
فما كتب لك سيأتيك في وقته، وما لم يكتب لك لن تناله مهما استنفدت من طاقتك.
لكن هذا لا يعني أن تجلس وتنتظر.
بل يعني أن تعمل دون أن تقتل نفسك بالقلق على النتيجة.
أنت البطل في مملكتك
لا أقصد بالمملكة قصرًا أو مالًا أو سلطة.
المملكة الحقيقية هي حياتك.
عقلك.
وقتك.
عملك.
أخلاقك.
طموحك.
علاقاتك.
وقدرتك على اتخاذ القرار.
أنت المسؤول عن الطريقة التي ستبني بها هذه المملكة.
إما أن تجعلها مكانًا للنمو والتقدم، وإما أن تسمح للخوف والتردد والحسد والمقارنة بأن يهدموها من الداخل.
ولهذا لا تنتظر أن يأتي شخص ويخبرك أنك بطل.
ابدأ أنت بتصديق قدرتك على التطور، ثم أثبت ذلك بالعمل.
الخلاصة
البطل الحقيقي ليس الشخص الذي لا يسقط.
البطل هو الذي يسقط ثم ينهض.
ليس من لا يخطئ.
بل من يتعلم من أخطائه.
ليس من لا يواجه منافسين.
بل من يعرف كيف ينافس بشرف، ويطور نفسه دون أن ينشغل بهدم الآخرين.
وليس البطل من يقلده الناس فقط.
بل من يصنع طريقًا يصبح من الصعب تكراره.
أما من جعل حياته كلها قائمة على مراقبة الآخرين وانتظار تعثرهم واستغلال نقاط ضعفهم، فقد يحقق انتصارًا مؤقتًا، لكنه يظل أسيرًا للشخص الذي كان يراقبه.
لذلك...
لا تتوقف لأن أحدًا يحاول تقليدك.
لا تحزن لأن أحدًا سبقك.
لا تفقد ثقتك لأن شخصًا تفوق عليك في مرحلة.
ولا تجعل تعثرًا مؤقتًا يكتب نهاية قصتك.
طور نفسك.
احمِ خصوصيتك.
تعلم.
اعمل.
أتقن.
اصبر.
وإذا سقطت، فانهض.
وإذا أخطأت، فتعلّم.
وإذا تأخر النجاح، فاستمر.
فربما تكون المسافة بينك وبين هدفك أكبر مما توقعت، لكن كل خطوة صحيحة تقطعها اليوم تجعل المسافة أقصر.
وفي النهاية ستكتشف أن أعظم منافسة خضتها في حياتك لم تكن مع شخص آخر...
بل كانت مع نسختك القديمة.
فإذا استطعت أن تصبح اليوم أفضل من الأمس، وغدًا أفضل من اليوم، فأنت بالفعل تسير في طريق النجاح.
كن بطل قصتك، لا ظلًا في قصة شخص آخر.
فالبطل يُصنع بالعمل، ويثبت نفسه بالإنجاز، وتبقى سيرته بالأثر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق