بقلم: د/ إيناس حلمي
أخصائي الإرشاد الأسري والصحة النفسية
لم تعد المشكلة أن الأطفال لا يجدون من يقول لهم: افعلوا الصواب
المشكلة أنهم ينظرون حولهم، فلا يجدون كثيرًا ممن يفعل الصواب أصلًا.
نحن لا نعاني فقط من أزمة أخلاق، ولا من ضعف في التربية، ولا من تأثير السوشيال ميديا كما نحب أن نردد كلما أردنا تعليق أخطائنا على شماعة جاهزة.
نحن أمام أزمة أعمق:
أزمة قدوة.
الطفل الذي نطالبه بالصدق، بينما يرانا نكذب كي ننجو من موقف صغير، لن يتعلم الصدق من محاضرة.
والشاب الذي نطالبه باحترام الآخرين، بينما يسمع في البيت إهانات للجار والقريب والزميل، لن يتعلم الاحترام من نصيحة مكتوبة على الحائط.
والفتاة التي نطلب منها أن تحافظ على كرامتها، بينما ترى نماذج من حولها تقيس قيمة الإنسان بما يملك، وبمن يعرف، وبعدد المتابعين… وقتها ستحتار
أي كلام تصدق؟ الكلام الذي تسمعه أم الحياة التي تراها؟
الأب قد يقول لابنه: كن رجلًا،
لكن الابن لا يتعلم الرجولة من الكلمة…
يتعلمها من أبٍ يرى فيه كيف يكون الإنسان مسؤولًا، أمينًا، رحيمًا، ثابتًا وقت الشدة.
والأم قد تقول لابنتها: كوني قوية،
لكن القوة لا تُشرح دائمًا بالكلمات…
أحيانًا يكفي أن ترى ابنتها أمًا تعرف كيف تحترم نفسها، وكيف تقول "لا"، وكيف تعتذر عندما تخطئ، وكيف تبدأ من جديد عندما تنكسر.
القدوة لا تحتاج إلى ميكروفون.
القدوة تمشي أمامك في صمت.
في طريقة تعامل الإنسان مع من هو أضعف منه.
في أمانته عندما لا يراه أحد.
في اعتذاره عندما يخطئ.
في وفائه عندما تتغير الظروف.
في احترامه لمن يختلف معه.
وفي قدرته على أن يقول: "أنا أخطأت" .
وهنا تكمن الكارثة…
أننا في أحيان كثيرة نريد أبناءً أفضل منا، دون أن نسأل أنفسنا:
هل نحن النموذج الذي نريدهم أن يصبحوا عليه؟
نريد طفلًا لا يستخدم الهاتف طوال اليوم، بينما الهاتف لا يفارق أيدينا.
نريد شابًا لا يتأثر بالمشاهير، بينما نحن نمنح الشهرة قيمة أكبر من الأخلاق.
نريد أبناءً يحترمون الأسرة، بينما يرون الخلافات تُدار بالصوت العالي والإهانة.
نريدهم ألا يحكموا على الناس من مظاهرهم، بينما نحن نفعل ذلك كل يوم.
ثم نتساءل بدهشة:
جيل اليوم ماذا حدث له؟
ربما علينا أن نسأل سؤالًا أصعب:
وماذا رأى منا؟
ليست كل مشكلة في أبنائنا سببها التكنولوجيا.
وليست كل أزمة سببها المدرسة.
وليست كل انحرافات السلوك سببها الأصدقاء.
أحيانًا يكون الطفل فقط مرآة دقيقة جدًا لبيئة لم تنتبه أنها تُرى.
والأخطر من غياب القدوة هو وجود قدوة خاطئة.
لأن الطفل لا يحتاج إلى شخص كامل، ولا إلى أب وأم بلا أخطاء.
هو يحتاج إلى إنسان حقيقي…
يخطئ ويعترف،
يغضب ويعتذر،
يسقط ويحاول،
ويختلف دون أن يهين،
وينجح دون أن يتكبر.
لا نحتاج أن نقدم لأبنائنا صورة مثالية مزيفة.
نحتاج أن نقدم لهم إنسانًا يستحق أن يُحتذى به.
فربما لا يتذكر ابنك عشرات النصائح التي قلتها له، لكنه سيتذكر كيف كنت تتصرف عندما غضبت.
وقد لا تتذكر ابنتك محاضرتك عن احترام الذات، لكنها ستتذكر كيف سمحتِ للآخرين أن يعاملوكِ، وكيف عاملتِ أنتِ نفسك.
وفي النهاية…
الأجيال لا تتربى بما نقوله فقط، بل بما نفعله أمامها كل يوم.
فإذا أردنا مجتمعًا أكثر رحمة، فلنبدأ بالرحمة في بيوتنا.
وإذا أردنا أبناءً صادقين، فلنراجع صدقنا.
وإذا أردنا جيلًا يحترم الإنسان، فلنبدأ باحترام الإنسان داخل البيت.
وإذا كنا نبحث عن القدوة…
فلنتوقف قليلًا عن البحث عنها في الآخرين، وننظر إلى المرآة.
فربما يكون السؤال الحقيقي ليس:
أين القدوة؟
بل:
لماذا لا نكون نحن القدوة التي يبحث عنها أبناؤنا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق