بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان
تبدو الصورة التي نراها على بعض شواطئ الغردقة للوهلة الأولى وكأن البحر قد تراجع عشرات الأمتار، تاركًا مساحات واسعة من الرمال والصخور والمياه الضحلة خلفه. وقد يثير هذا المشهد تساؤلات مشروعة لدى المواطن والسائح: هل ما يحدث ظاهرة طبيعية مؤقتة؟ وهل يؤثر في السياحة والحفلات والأنشطة البحرية؟ وهل يمثل إنذارًا لمستقبل شواطئ الغردقة؟
الإجابة العلمية تحتاج إلى التمييز بين المد والجزر الطبيعي وبين تراجع خط الشاطئ بسبب التعرية أو تغير مستوى سطح البحر أو التدخلات البشرية؛ فليس كل انحسار مؤقت للمياه يعني أن الشاطئ يفقد مساحته بصورة دائمة.
المد والجزر.. ظاهرة كونية وليست تراجعًا دائمًا للبحر
المد والجزر ظاهرة طبيعية تنتج أساسًا عن تأثير الجاذبية، ولا سيما جاذبية القمر والشمس، على مياه البحار والمحيطات، إلى جانب تأثير دوران الأرض وشكل الأحواض البحرية.
والبحر الأحمر من البحار شبه المغلقة، وله نظام مد وجزر شبه يومي، أي أن دورة ارتفاع وانخفاض المياه تتكرر تقريبًا كل 12 ساعة. وتختلف قوة المد والجزر من منطقة إلى أخرى تبعًا لطبيعة الساحل وعمق المياه وشكل قاع البحر. وتشير الدراسات إلى أن متوسط نطاق المد والجزر في البحر الأحمر يقارب 0.8 متر، بينما تشير مصادر متخصصة إلى أن نطاقه في منطقة الغردقة قد يتجاوز نصف متر في بعض الظروف، وهو ما يمكن أن يجعل الانحسار الأفقي للمياه يبدو أكبر بكثير على الشواطئ ذات الانحدار الضعيف. �
MDPI +٢
وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة:
انحسار المياه أمام العين لا يعني بالضرورة أن البحر فقد هذه المساحة بصورة دائمة.
فالشاطئ المنبسط والضحل يجعل انخفاض مستوى المياه بمقدار محدود يؤدي إلى انكشاف مساحة أفقية كبيرة من الرمال والقاع، وهو ما يفسر جزءًا من المشهد الظاهر في الصور.
لماذا يبدو الانحسار كبيرًا في الغردقة؟
طبيعة الساحل تلعب دورًا أساسيًا.
فبعض مناطق البحر الأحمر أمام الغردقة تحتوي على مساحات من الشعاب المرجانية والمناطق الضحلة والجزر والحواجز الطبيعية، كما أن الشواطئ تختلف بين الرملية والصخرية والمناطق التي تتداخل فيها الشعاب مع الساحل.
وعندما ينخفض مستوى المياه، تنكشف أجزاء من القاع كانت مغطاة بالمياه قبل ساعات، فتظهر الرمال والصخور والشعاب بصورة واضحة.
كما أن الرياح والضغط الجوي ودرجة الحرارة وتبادل المياه مع بقية البحر الأحمر يمكن أن تؤثر في مستوى سطح البحر محليًا. وتوضح الدراسات أن العوامل الجوية، ومنها ضغط الهواء وإجهاد الرياح ودرجة الحرارة والتبخر، يمكن أن يكون لها تأثير مهم على تغيرات مستوى سطح البحر في البحر الأحمر، وليس المد الفلكي وحده. �
OUP Academic +١
هل يؤثر ذلك على السياحة؟
نعم، يمكن أن يؤثر على بعض الأنشطة السياحية، لكنه لا يعني انهيار السياحة الشاطئية أو فقدان الغردقة لجمالها.
السائح الذي يأتي إلى الغردقة يبحث عن منظومة متكاملة تشمل:
البحر والشواطئ.
الشعاب المرجانية.
الغوص والسنوركلينج.
الرحلات البحرية.
الجزر والمحميات.
الرياضات المائية.
المطاعم والمقاهي.
الحفلات الليلية.
المنتجعات والفنادق.
الرحلات الصحراوية.
الأنشطة العائلية والترفيهية.
وبالتالي فإن انخفاض المياه خلال فترات الجزر قد يقلل مؤقتًا من ملاءمة بعض المناطق للسباحة أو بعض الألعاب البحرية، لكنه في المقابل يمكن أن يخلق مشهدًا سياحيًا مختلفًا يكشف أجزاء من البيئة البحرية ويتيح مشاهدة مناطق ضحلة وشعاب وصخور وكائنات بحرية لا تظهر بالوضوح نفسه أثناء ارتفاع المياه.
وماذا عن الحفلات الترفيهية؟
هنا تأتي أهمية الإدارة السياحية الذكية للمد والجزر.
فليس المطلوب أن تتوقف الحفلات والأنشطة، وإنما أن تتم جدولة بعض الفعاليات وفقًا لحركة المياه.
يمكن للمنشآت السياحية، على سبيل المثال، تنظيم:
حفلات الغروب في توقيتات مناسبة،
المطاعم والمقاهي المطلة على البحر،
الموسيقى والعروض الفنية الليلية،
الرحلات البحرية وقت ارتفاع المياه،
السنوركلينج والغوص وفق الجداول البحرية المناسبة،
والرحلات البيئية والاستكشافية وقت انحسار المياه.
وبذلك تتحول الظاهرة من مشكلة إلى عنصر يمكن إدخاله ضمن المنتج السياحي نفسه.
هل توجد بدائل للرفاهية إذا انخفضت المياه؟
بالتأكيد.
الغردقة لا يجب أن تعتمد على فكرة واحدة هي: السائح يأتي للسباحة فقط.
المستقبل الحقيقي هو بناء تجربة سياحية متكاملة.
ومن البدائل الممكنة:
1 ـ السياحة البحرية الذكية
تنظيم الرحلات والغوص والسنوركلينج وفق جداول المد والجزر بدلًا من العمل بصورة عشوائية.
2 ـ السياحة البيئية
تحويل فترات انحسار المياه إلى فرصة للتعرف على طبيعة الشعاب والمناطق الساحلية، بشرط عدم لمس الشعاب أو الإضرار بها.
3 ـ السياحة الترفيهية الليلية
زيادة الاعتماد على المطاعم والعروض الفنية والموسيقى والفعاليات الثقافية والترفيهية.
4 ـ السياحة الرياضية
توسيع الأنشطة الرياضية والترفيهية داخل المنتجعات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على حالة البحر.
5 ـ السياحة الصحراوية
استغلال الطبيعة الجغرافية الفريدة للغردقة والبحر الأحمر في رحلات السفاري والجبال والوديان.
6 ـ السياحة العائلية
تطوير مناطق ترفيهية ومائية داخل المنتجعات لتوفير بدائل للأطفال والعائلات عندما لا تكون ظروف البحر مناسبة.
وهذا يتفق مع الاتجاه الأوسع في مصر نحو تنويع المنتج السياحي وعدم الاعتماد على نمط واحد. وقد أكدت وزارة السياحة والآثار أن استراتيجية القطاع تتجه إلى تنويع المنتجات السياحية، بما يشمل السياحة الشاطئية والترفيهية والثقافية وغيرها. �
وزارة القوى العاملة
هل الصور تعني أن شواطئ الغردقة تتراجع بشكل دائم؟
لا يمكن علميًا الحكم على تراجع دائم للشاطئ من صورة واحدة أو من مشاهدات المد والجزر وحدها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالدراسات التي تناولت تغير خط الشاطئ في الغردقة باستخدام صور الأقمار الصناعية وجدت أن السواحل شهدت تغيرات متعددة الاتجاهات، بينها مناطق تعرضت للتراكم وأخرى للتعرية، وأن بعض التغيرات ارتبطت بأعمال الردم والتطوير الساحلي، بينما ظهرت مناطق أخرى تعاني من التعرية بصورة أكبر. �
تاندف
إذن يجب الفصل بين:
انحسار المياه بسبب الجزر ← مؤقت وطبيعي.
وبين:
تراجع خط الشاطئ بسبب التعرية أو تغيرات مناخية أو تدخلات بشرية ← قد يكون طويل الأمد ويحتاج إلى تدخل علمي.
الخطر الحقيقي ليس المد والجزر.. وإنما سوء إدارة الساحل
المد والجزر جزء من النظام الطبيعي للبحر.
أما الخطر الأكبر فيكمن في التعامل غير العلمي مع البيئة الساحلية.
فالردم العشوائي، وتجريف الشعاب، وإنشاء الحواجز والمنشآت بطريقة لا تراعي حركة المياه، وإقامة بحيرات صناعية أو مراسٍ دون دراسة هيدروديناميكية مناسبة، يمكن أن يغير حركة الرواسب والتيارات ويؤثر في استقرار الشاطئ.
وقد أشارت دراسات متخصصة إلى أن بعض الممارسات الساحلية غير الملائمة، ومنها تجريف مناطق الشعاب لإنشاء بحيرات أو منشآت، يمكن أن يؤدي إلى تغيرات غير متوقعة في تآكل الشواطئ. �
ساينس ديركت
وماذا عن المستقبل؟
هنا يجب أن نكون أكثر جدية.
هناك عامل مختلف عن المد والجزر يجب مراقبته، وهو تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل.
فارتفاع مستوى البحر، إلى جانب التغير في العواصف والأمواج والتعرية، يمكن أن يضغط على الشواطئ والمنشآت الساحلية، وقد يؤثر في اقتصاد السياحة الشاطئية إذا لم تتم إدارة المناطق الساحلية بصورة علمية.
وتشير دراسات مصرية إلى أن تآكل الشواطئ وارتفاع مستوى البحر يمكن أن ينعكسا على الخدمات السياحية وتدفقات الزائرين، كما أظهرت دراسة خاصة بسهل حشيش ومكادي باي أن تقلص عرض الشاطئ نتيجة ارتفاع مستوى البحر يمثل عاملًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة لعوائد المنتجعات الساحلية. �
أجرس +١
لكن المستقبل ليس بالضرورة قاتمًا.
المشكلة يمكن إدارتها إذا بدأ التخطيط مبكرًا.
البحر الأحمر.. ثروة اقتصادية وليست مجرد منظر طبيعي
يجب ألا ننظر إلى شواطئ الغردقة باعتبارها مجرد مكان للاستحمام.
إنها جزء من رأس مال طبيعي مصري يدعم الفنادق والغوص والرحلات البحرية والمطاعم والنقل والعمالة والتجارة والخدمات.
وقد أصبحت السياحة المصرية عنصرًا أكثر أهمية في الاقتصاد الوطني مع النمو الكبير الذي تحقق مؤخرًا؛ فقد أعلنت وزارة السياحة والآثار استقبال مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025 بزيادة 21% عن عام 2024، كما استمرت الحركة في النمو خلال الأشهر الأولى من 2026. �
وزارة القوى العاملة +١
ومن هنا فإن حماية البحر الأحمر ليست قضية بيئية فقط، بل قضية اقتصادية وأمن قومي سياحي.
فإذا تدهورت الشعاب المرجانية أو فقدت الشواطئ جاذبيتها أو تضررت البيئة البحرية، فإن الضرر لن يتوقف عند الطبيعة، بل يمكن أن يمتد إلى الفندق والعامل والمطعم ومركز الغوص وشركة السياحة والنقل والطيران والاستثمار.
وقد أظهرت دراسة حديثة عن اقتصاد السياحة الزرقاء في البحر الأحمر أن تدهور رأس المال الطبيعي يمكن أن يؤدي إلى انخفاض جاذبية الوجهات السياحية وتحول التدفقات السياحية نحو مناطق أكثر حفاظًا على الطبيعة. �
ساينس ديركت
ماذا نحتاج من الدولة والقطاع السياحي؟
نحتاج إلى مرصد علمي دائم لسواحل الغردقة يعتمد على:
صور الأقمار الصناعية.
القياسات البحرية اليومية.
خرائط المد والجزر.
دراسة حركة الرواسب.
متابعة تغير خط الشاطئ.
قياس تأثير الرياح والأمواج.
مراقبة الشعاب المرجانية.
دراسة ارتفاع مستوى سطح البحر.
تقييم تأثير المشروعات الساحلية الجديدة.
كما يجب أن تكون أي توسعات أو منشآت بحرية جديدة مبنية على دراسات بيئية وهيدروديناميكية حقيقية، وليس مجرد حلول هندسية سريعة.
هل يمكن أن يتحول الجزر إلى ميزة سياحية؟
نعم، وهذه هي الفكرة التي تستحق التفكير.
بدلًا من أن نقول للسائح:
"البحر انحسر اليوم ولا توجد أنشطة."
يمكن أن نقول:
"اليوم نكتشف وجهًا آخر للبحر الأحمر."
رحلات بيئية، تصوير الطبيعة، مراقبة الطيور والكائنات البحرية، عروض الغروب، أنشطة ثقافية، مطاعم، رياضات، رحلات صحراوية، وبرامج ترفيهية مصممة وفق حركة البحر.
أي أن المد والجزر لا ينبغي أن يكون عدوًا للسياحة، وإنما معلومة يجب أن تبنى عليها السياحة الذكية.
كلمة أخيرة
إن المشهد الذي نراه على بعض شواطئ الغردقة يستحق التأمل، لكنه لا ينبغي أن يدفعنا إلى إطلاق أحكام متسرعة بأن البحر "يتراجع" أو أن السياحة أصبحت مهددة.
فالمد والجزر ظاهرة كونية طبيعية، أما تراجع خط الشاطئ الدائم فله أسباب أخرى يجب قياسها علميًا.
وإذا كانت الطبيعة تمنحنا بحرًا يتغير كل يوم، فإن مسؤوليتنا أن نمتلك العلم الذي يجعلنا نفهم هذا التغير، والتخطيط الذي يحمي الشاطئ، والاستثمار الذي يحافظ على البيئة، والسياحة التي تستطيع أن تقدم للسائح أكثر من مجرد شاطئ.
الغردقة لا تحتاج إلى محاربة الطبيعة؛ بل تحتاج إلى أن تفهمها وتستثمر فيها وتحافظ عليها.
فالبحر الأحمر ليس مجرد مياه زرقاء أمام الفنادق، وإنما ثروة طبيعية واقتصادية وسياحية للأجيال الحالية والقادمة، وحمايته اليوم تعني حماية جزء مهم من مستقبل الاقتصاد والسياحة في مصر.
بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان
*ملاحظة تحريرية: الصورتان المرفقتان تصلحان جدًا لدعم المقال بصريًا؛ الأولى تُظهر انكشاف مساحة واسعة من الساحل والقاع أثناء انخفاض المياه، والثانية تُظهر اتساع المياه الضحلة والشاطئ الرملي. ولا تكفي الصور وحدها لإثبات حدوث تراجع دائم في خط الساحل.*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق