الزوجة لا تموت حبًّا... لكنها تموت من كثرة التحمُّل
ليست الخيانة وحدها ما يهدم البيوت.. أحيانًا يهدمها الإهمال! وان لم يكن بقصد!
بقلم: د.فاطمة القاسم
كم بيتًا انهار، ليس لأن الحب انتهى، بل لأن أحد الطرفين اعتقد أن الآخر سيبقى مهما فعل؟
هذه هي المأساة الحقيقية. أن يعتاد الإنسان وجود من يحبه، فيتوقف عن تقديره، ويظن أن الصبر بلا نهاية، وأن التسامح لا ينفد، وأن القلب الذي تحمل أمس سيتحمل غدًا وبعد غد.
الزوجة لا تدخل بيت زوجها وهي تبحث عن قصر أو ثروة. أغلب النساء يدخلن الحياة الزوجية وهن يحملن حلمًا بسيطًا: رجل يحتوي، ويحترم، ويشعر، ويكون سندًا حقيقيًا.
إنها تترك بيت أبيها، حيث الأمان الذي عاشت فيه سنوات عمرها، وتغادر حضن أمها الذي كان ملجأها الأول، لتبدأ رحلة جديدة وهي تؤمن أن الرجل الذي اختارته سيكون عوضها الجميل.
لكن في بعض البيوت، تتحول الأحلام إلى معركة يومية.
الزوجة تُصلح، وتسامح، وتتنازل، وتخفي دموعها، وتقتطع من راحتها حتى لا يسقط البيت. إذا ضاقت الأحوال، تحملت. وإذا قصر الزوج، بررت. وإذا أخطأ، سامحت. وإذا جرحها، قالت: "غدًا سيتغير."
وهكذا تعيش سنوات كاملة وهي تُرمم ما يهدمه الإهمال كل يوم.
لكن ما لا يدركه كثيرون، أن لكل امرأة رصيدًا من الصبر، مهما بدا كبيرًا، فإنه ليس بلا نهاية.
يأتي يوم لا تصرخ فيه، ولا تعاتب، ولا تطلب شيئًا. يوم تصبح فيه صامتة على غير عادتها. ويظن البعض أن الأمور أصبحت أفضل، بينما الحقيقة أن قلبها أعلن استسلامه وأصبح الرحيل هو النجاة باخر انفاسها.
وحين ترحل... يقول الجميع: "رحلت فجأة!"
لا... لم ترحل فجأة.
لقد رحلت بعد مئات الليالي التي بكت فيها بصمت، وبعد آلاف الكلمات التي ابتلعتها حتى لا تشتعل الخلافات، وبعد محاولات لا يعلمها إلا الله.
المؤلم أن بعض الأزواج لا يكتشفون قيمة الزوجة إلا بعد غيابها، حين يصبح البيت بلا روح، والهدوء بلا دفء، والطعام بلا مذاق، والحياة بلا شريكة كانت تحمل فوق كتفيها ما لا يراه أحد.
ولعل أكبر خطأ يرتكبه الإنسان هو اعتقاده أن المخلصين لا يرحلون.
بل يرحلون... عندما يوقنون أن وجودهم أصبح عادة، وأن تضحياتهم لم تعد تُرى، وأن كرامتهم أصبحت آخر ما يُفكر فيه.
ليست كل امرأة ملاكًا، وليس كل رجل ظالمًا، لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، أن الاحترام والتقدير ليسا رفاهية، بل هما العمود الذي يحمل سقف أي بيت.
فلا تنتظر أن يخبرك الغياب بقيمة من كان حاضرًا، ولا تجعل الندم يأتي بعد أن يغلق القلب بابه الأخير.
فالقلوب لا تنكسر في لحظة... لكنها تتآكل بصمت، حتى يأتي يوم لا يبقى فيها شيء يستحق البقاء بل عشق الرحيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق