كتبت هذا المقال أ/هبــة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية لحقوق الإنسان
بداية العام الدراسي ليست مجرد عودة إلى المدرسة والكتب والواجبات والامتحانات بل هي مرحلة انتقالية يحتاج فيها الأبناء إلى الاستعداد النفسي قبل الاستعداد الدراسي
بعد فترة من الراحة والسهر واللعب والزيارات قد يجد الطفل صعوبة في العودة إلى نظام المدرسة ولذلك فإن التعامل معه خلال هذه الفترة يحتاج إلى صبر وتدرج وفهم لطبيعة احتياجاته النفسية
من أهم الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء أن يبدأ العام الدراسي بالضغط والتهديد
لو درجاتك مش كويسة هنعاقبك
لازم تكون من الأوائل
شوف أخوك بيعمل إيه
زميلك أحسن منك
هذه العبارات قد تبدو للوالدين وسيلة للتحفيز لكنها قد تجعل الطفل يشعر أن قيمته مرتبطة بدرجاته وأن حب والديه له مرتبط بمدى نجاحه الدراسي
الطفل في بداية العام الدراسي يحتاج أولًا إلى الشعور بالأمان
يحتاج أن يعرف أن أسرته ستدعمه إذا أخطأ وأن انخفاض درجة في اختبار لا يعني أنه فاشل وأن عدم فهم درس معين لا يعني أنه غير قادر على التعلم
قبل أن تسأل ابنك عن درجاته اسأله عن يومه
كيف كان يومك
هل شعرت بالراحة في المدرسة
هل هناك شيء أزعجك
هل قابلت مشكلة مع أحد
ما أكثر شيء أعجبك اليوم
هذه الأسئلة تفتح باب التواصل وتساعد الوالدين على اكتشاف المشكلات مبكرًا
من المهم أيضًا أن نعيد تنظيم نوم الطفل تدريجيًا قبل بداية الدراسة
النوم المتأخر والاستيقاظ المتأخر قد يجعلان العودة إلى المدرسة أكثر صعوبة وقد يؤثران على التركيز والانتباه والمزاج
لذلك من الأفضل تعديل مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيًا بدلًا من الانتقال المفاجئ إلى نظام مختلف
كما يحتاج الطفل إلى المشاركة في الاستعداد للعام الدراسي
يمكن أن يشارك في اختيار الأدوات المدرسية وترتيب حقيبته وتجهيز ملابسه وتنظيم مكان المذاكرة
هذه المشاركة تمنحه شعورًا بالمسؤولية وتجعله يشعر أن بداية العام الدراسي تجربة جديدة يمكن أن يكون له دور فيها
ومن المهم ألا نحول البيت منذ اليوم الأول إلى غرفة امتحانات
الطفل يحتاج إلى وقت للمذاكرة ووقت للراحة ووقت للعب ووقت للتواصل مع أسرته
الراحة ليست كسلًا واللعب ليس إهدارًا للوقت
بل إن وجود توازن مناسب يساعد الطفل على الاستمرار ويقلل من الإرهاق النفسي
ومن الأخطاء التي يجب تجنبها مقارنة الطفل بإخوته أو زملائه
كل طفل له قدراته وطريقته في التعلم وسرعة مختلفة في اكتساب المهارات
عندما نقارن الطفل باستمرار قد يتحول التركيز من تطوير قدراته إلى محاولة إثبات أنه أفضل من الآخرين
الأفضل أن نقارن الطفل بنفسه
هل تحسن عن العام الماضي
هل أصبح أكثر تنظيمًا
هل استطاع أن يتغلب على صعوبة كانت تواجهه
هل أصبح أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه
هذه المقارنة أكثر عدلًا وأكثر فائدة نفسيًا
كما يجب أن ننتبه إلى أن بعض الأبناء لا يخافون من الدراسة نفسها وإنما يخافون من الفشل أو من رد فعل الأسرة تجاه الفشل
قد يكون الطفل متوترًا من الامتحان لأنه يتوقع العقاب إذا حصل على درجة منخفضة
وقد يخفي أخطاءه أو درجاته خوفًا من الغضب
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا هل نحن نربي طفلًا يحب التعلم أم طفلًا يخاف من الخطأ
الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم
والدرجة المنخفضة فرصة لمعرفة ما يحتاج الطفل إلى تطويره وليست حكمًا على ذكائه أو مستقبله
من المهم أيضًا أن نضع أهدافًا واقعية مع الأبناء
بدلًا من أن نقول يجب أن تكون الأول دائمًا يمكن أن نقول هدفنا هذا العام أن نبذل أفضل ما نستطيع وأن نعمل على تطوير نقاط الضعف والاستفادة من نقاط القوة
التشجيع المستمر لا يعني المبالغة في المدح
بل يعني أن نلاحظ الجهد الحقيقي ونقدره
أنا لاحظت أنك حاولت أكثر من مرة
أنا فخورة بتحسنك
أعجبني أنك لم تستسلم عندما واجهت صعوبة
هذه العبارات تساعد الطفل على بناء الثقة بنفسه وعلى فهم أن النجاح ليس مجرد نتيجة وإنما رحلة من المحاولة والتعلم والتطور
ويجب ألا ننسى الجانب الاجتماعي والنفسي للطفل
فالمدرسة ليست كتبًا ودرجات فقط
قد يكون الطفل يعاني من مشكلة مع زميل أو يشعر بالخجل أو يخاف من المعلم أو يجد صعوبة في تكوين صداقات
لذلك يجب أن نترك مساحة للحديث عن مشاعره وتجربته داخل المدرسة
وإذا لاحظ الوالدان تغيرًا واضحًا ومستمرًا في سلوك الطفل مثل رفض الذهاب إلى المدرسة أو البكاء المتكرر أو اضطراب النوم أو الانسحاب أو فقدان الاهتمام أو القلق الشديد فمن المهم البحث عن السبب وعدم التعامل مع الأمر باعتباره دلعًا أو كسلًا
الطفل الذي يشعر أن والديه يسمعانه يصبح أكثر استعدادًا للحديث عن مشكلاته
والطفل الذي يخاف من رد فعل والديه قد يتعلم إخفاء المشكلة بدلًا من طلب المساعدة
لذلك اجعل بداية العام الدراسي فرصة لبناء علاقة أقوى مع أبنائك
ضعوا معًا روتينًا واضحًا
حددوا وقتًا مناسبًا للمذاكرة
احرصوا على النوم الكافي
اتركوا وقتًا للراحة واللعب
تابعوا الواجبات دون تحويلها إلى معركة يومية
احتفلوا بالتقدم ولو كان بسيطًا
تحدثوا عن المشاعر قبل الدرجات
استمعوا قبل أن تقدموا النصائح
وعندما يخطئ الطفل ساعدوه على فهم الخطأ بدلًا من جعله يشعر بأنه هو الخطأ
فالعام الدراسي الناجح لا يبدأ بالكتب فقط
بل يبدأ بعلاقة أسرية يشعر فيها الطفل أن هناك من يؤمن به ويستمع إليه ويساعده عندما يتعثر
قبل أن تسأل ابنك كم حصلت في الاختبار اسأله كيف كان يومك وهل هناك شيء تريد أن تحكيه لي
فقد تكون هذه الجملة البسيطة بداية عام دراسي أكثر هدوءًا وثقة ونجاحًا وتكون الأسرة فيها شريكًا حقيقيًا في رحلة التعلم وليست مصدرًا إضافيًا للضغط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق