أصعب مرحلة في أي إصلاح اقتصادي ليست مرحلة اتخاذ القرار، وإنما المرحلة التي تبدأ فيها الدولة في انتظار نتائج القرار بينما يظل المواطن يشعر بارتفاع الأسعار.
وهذا هو التحدي الذي تواجهه مصر الآن. فهناك إصلاحات في الضرائب، والصناعة، والاستثمار، وتيسير الأراضي والإجراءات، ومحاولات لجذب استثمارات أجنبية جديدة، وفي الوقت نفسه لا تزال تكلفة المعيشة تمثل ضغطًا واضحًا على الأسر والشركات. وقد ارتفع معدل التضخم الحضري السنوي في يوليو إلى 14.9%، وهو ما يوضح أن المعركة مع الأسعار لم تنتهِ بعد.
المفارقة أن الاقتصاد يمكن أن يتحرك في الاتجاه الصحيح على مستوى الاستثمار والإنتاج، بينما لا يشعر المواطن بهذا التحسن فورًا. فالمصنع الجديد يحتاج إلى وقت حتى يبدأ الإنتاج، والاستثمار يحتاج إلى سنوات حتى يخلق طاقة إنتاجية جديدة، والإصلاحات الهيكلية لا تظهر نتائجها في الأسعار بين ليلة وضحاها.
لكن هنا تحديدًا يجب أن يكون السؤال: إلى متى يمكن أن يستمر الفرق بين الإصلاح الاقتصادي وتحسن الحياة اليومية؟
الإجابة لا تكمن في محاولة تثبيت الأسعار بصورة مؤقتة، وإنما في زيادة المعروض وخفض تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة والتمويل، ورفع كفاءة الأسواق. فمواجهة التضخم من جذوره تحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر، وبكفاءة أعلى، ويعتمد بدرجة أكبر على سلاسل إنتاج محلية قادرة على تلبية الطلب.
وفي هذا السياق، تصبح الصناعة جزءًا من الحل وليس مجرد قطاع اقتصادي. فكلما زادت قدرة المصانع المصرية على إنتاج السلع التي نستوردها، وكلما تطورت الصناعات المغذية، تقلصت حساسية السوق تجاه تقلبات الخارج وتكاليف الاستيراد.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية: الثقة. المستثمر يحتاج إلى معرفة تكلفة مشروعه بعد عام وثلاثة أعوام وخمسة أعوام، والمستهلك يحتاج إلى قدر من اليقين بشأن دخله وتكاليف حياته. وكلما زادت القدرة على التنبؤ، أصبحت القرارات الاقتصادية أكثر عقلانية.
لذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بمعدل النمو أو حجم الاستثمارات التي تدخل البلاد، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاج حقيقي، وهذا الإنتاج إلى فرص عمل، وهذه الفرص إلى دخول حقيقية، ثم إلى تحسن تدريجي في مستوى المعيشة.
الاقتصاد لا يتغير بقرار واحد، لكنه يتغير عندما تبدأ عشرات القرارات في العمل معًا وفي الاتجاه نفسه.
والتحدي الحقيقي الآن ليس أن نثبت أن الإصلاحات موجودة، بل أن نجعل المواطن يرى أثرها في حياته، والمستثمر يراها في أرقامه، والمصنع يراها في قدرته على الإنتاج والتوسع.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق