بقلم الشاعرة والإعلامية / قدرية مصطفى
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في كل مرة يُفتح فيها الحديث عن تعدد الزوجات، تبدأ حالة من الجدل بين مؤيدٍ يراه حقًا شرعيًا، ومعارضٍ يراه سببًا في كثير من المشكلات الأسرية، وبين هذا وذاك تضيع أحيانًا مساحة مهمة جدًا: مساحة الفهم والوعي والتمييز بين ما أباحه الشرع، وكيف يتعامل الإنسان مع هذه الإباحة.
فالتعدد ليس اختراعًا اجتماعيًا حديثًا، وإنما هو أمر أباحه الإسلام بضوابط وشروط، ولم يجعله فرضًا على الرجال، كما أنه لم يمنح الرجل حقًا بلا مسؤولية.
قال تعالى:
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
وهنا تظهر كلمة شديدة الأهمية: العدل.
فالزواج مسؤولية، والتعدد مسؤولية أكبر؛ لأن الرجل لا يدخل بيتًا ثانيًا بمفرده، وإنما يدخل حياةً كاملة، فيها امرأة لها مشاعر وحقوق وكرامة، وفيها أبناء لهم احتياجات وحقوق ومستقبل.
هل التعدد حل لمشكلة العنوسة؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
هناك من يرى أن تعدد الزوجات يمكن أن يكون أحد الحلول لمشكلة تأخر الزواج، خصوصًا مع وجود أرامل ومطلقات وفتيات لم يجدن فرصة مناسبة للزواج.
وهذا الرأي قد يكون صحيحًا في بعض الحالات، لكنه لا يصلح أن يكون قاعدة عامة.
فالمرأة المطلقة أو الأرملة ليست مشكلة تحتاج إلى "حل"، وإنما هي إنسانة لها الحق الكامل في أن تعيش حياة كريمة، وأن تختار شريك حياتها الذي تشعر معه بالأمان والاحترام.
كما أن العنوسة لا تُعالج بالتعدد وحده؛ لأن أسباب تأخر الزواج كثيرة، منها ارتفاع تكاليف الزواج، والبطالة، والظروف الاقتصادية، والمغالاة في المهور، وتغير المعايير الاجتماعية، والخوف من فشل التجربة الزوجية.
إذن نحن أمام قضية اجتماعية تحتاج إلى حلول متعددة، وليس إلى حل واحد.
وماذا عن الأرامل والمطلقات؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
من المؤلم أن ينظر البعض إلى المطلقة أو الأرملة وكأنها امرأة فقدت قيمتها الاجتماعية.
والحقيقة أن الزواج السابق لا ينتقص من قيمة المرأة، والطلاق ليس وصمة عار، والترمل ليس ذنبًا.
قد تكون المرأة المطلقة أمًا عظيمة، وقد تكون الأرملة سندًا لأبنائها، وقد تكون امرأة ناجحة صنعت لنفسها مكانًا في المجتمع.
وإذا جاءها رجل يريد الزواج منها، سواء كان أعزب أو متزوجًا، فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون الاحترام والقدرة على تحمل المسؤولية والصدق وحفظ الحقوق.
هل التعدد يقضي على الزنا؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
لا يمكن القول إن التعدد وحده سيقضي على الزنا؛ لأن الزنا قضية أخلاقية ودينية لها أسباب متعددة، منها ضعف الوازع الديني، وسوء التربية، والانحراف السلوكي، وغياب الرقابة الأسرية والمجتمعية، وغير ذلك.
والحل لا يكون بمجرد زيادة عدد الزيجات، وإنما ببناء إنسان يعرف معنى الحلال والحرام، ويخاف الله، ويحترم المرأة، ويعرف أن العلاقة الزوجية مسؤولية وليست مجرد إشباع رغبة.
فالزواج في الإسلام سكن ومودة ورحمة، وليس مجرد وسيلة لإطفاء شهوة.
وماذا عن أطفال الشوارع؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
أيضًا لا يمكن تحميل التعدد وحده مسؤولية القضاء على هذه الظاهرة أو اعتبارها حلًا مباشرًا لها.
أطفال الشوارع ظاهرة لها أسباب اجتماعية واقتصادية وأسرية معقدة، مثل التفكك الأسري، والفقر، والعنف، والإهمال، وتسرب الأطفال من التعليم، وغياب الرعاية.
بل إن الزواج نفسه، سواء كان زواجًا واحدًا أو متعددًا، إذا لم يُبنَ على المسؤولية والرحمة والقدرة، فقد يتحول إلى بيئة جديدة للمشكلات بدلًا من أن يكون حلًا لها.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى أب يحمل اسمه، وإنما يحتاج إلى أب حاضر، وأم آمنة، وبيت مستقر، وتربية سليمة، وحقوق محفوظة.
المشكلة ليست في التعدد... وإنما في سوء الاستخدام
من الخطأ أن نحاكم حكمًا شرعيًا من خلال نماذج بشرية أساءت تطبيقه.
فكما أن هناك رجلًا قد يسيء استخدام التعدد، هناك أيضًا زيجات أحادية تعاني من الخيانة والعنف والإهمال.
إذن المشكلة ليست في عدد الزوجات وحده، وإنما في أخلاق الزوج وقدرته على تحمل المسؤولية.
الرجل الذي لا يستطيع أن يعدل بين بيتين، ولا يستطيع أن ينفق، ولا يحفظ مشاعر زوجته، ولا يرعى أبناءه، ليس التعدد هو المشكلة في حياته؛ وإنما المشكلة في عدم قدرته على تحمل تبعات اختياره.
هل كل ما هو مباح مناسب لكل إنسان؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية.
ليس كل أمر مباح شرعًا يعني أنه مناسب لكل شخص وفي كل ظرف.
فقد يكون التعدد مناسبًا في حالة، وغير مناسب في حالة أخرى.
وقد يكون الرجل قادرًا ماديًا لكنه غير قادر نفسيًا أو أخلاقيًا على تحمل مسؤولية بيتين.
وقد تكون هناك امرأة تقبل أن تكون زوجة ثانية عن اقتناع ورضا، وأخرى لا تقبل ذلك، وكلاهما له حق الاختيار.
المهم ألا يتحول النقاش إلى إكراه أو إهانة أو تخوين.
المرأة ليست ضد الشرع... والمرأة أيضًا ليست بلا مشاعر
ومن الظلم أن تُتهم كل امرأة ترفض التعدد بأنها تعترض على الشرع.
هناك فرق كبير بين أن تقول المرأة: "أنا لا أستطيع أن أعيش في زواج متعدد"، وبين أن تقول: "هذا الحكم الشرعي ليس جائزًا".
الأولى تعبر عن قدرتها النفسية واختيارها الشخصي، أما الثانية فهي مسألة دينية تحتاج إلى علم وفهم.
وفي المقابل، لا ينبغي للرجل أن يستخدم الدين ذريعة لإهمال مشاعر زوجته أو التنصل من مسؤولياته.
الخلاصة
تعدد الزوجات ليس جريمة اجتماعية، وليس حلًا سحريًا لكل مشكلات المجتمع.
هو أمر أباحه الشرع بضوابط، وأهمها العدل والقدرة وتحمل المسؤولية.
وإذا أردنا بالفعل أن نواجه العنوسة، فعلينا أن نحارب غلاء تكاليف الزواج، ونيسر الزواج للشباب، ونحارب المغالاة، ونرفع الوعي، ونحمي الأسرة.
وإذا أردنا مواجهة الزنا، فعلينا أن نبني إنسانًا سويًا يعرف دينه ويحترم نفسه والآخرين.
وإذا أردنا القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع، فعلينا أن نحمي الطفل من الفقر والعنف والتفكك والإهمال.
فالأسرة لا تُبنى بكثرة الأبواب، وإنما بجودة ما وراء الأبواب.
والزواج ليس عددًا نحصيه، وإنما أمانٌ ومودةٌ ورحمةٌ ومسؤولية.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس:
هل تعدد الزوجات حل للمشكلات؟
بل:
هل نحن قادرون على بناء زواج ناجح، سواء كان بزوجة واحدة أو أكثر، يحفظ كرامة المرأة، ويصون حقوق الرجل، ويحمي الأبناء، ويُرضي الله؟
فحين يصبح الإنسان أمينًا على من اختارهم شركاءً لحياته، يصبح الزواج بيتًا للسكن، لا ساحةً للصراع.
بقلم الشاعرة والإعلامية
قدرية مصطفى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق