حكي لي أحد المحامين عن قضية من أغرب القضايا التي مرت عليه طوال سنوات عمله، حيث دخلت مكتبه امرأة في أواخر الثلاثينيات، أنيقة وهادئة، تتحدث بثقة وكأنها جاءت لإنهاء إجراء عادي لا لتروي حكاية تضع من يسمعها في حيرة شديدة.
جلست وقالت إنها تريد معرفة موقفها القانوني في أمر حدث معها، وعندما طلب منها المحامي السرد من البداية، أوضحت أنها متزوجة من رجل محترم يعمل في إحدى الدول العربية ولديها منه ولد وبنت، ويغيب عن البيت تقريبًا سنة كاملة ولا يعود إلا شهرًا واحدًا، لكنه لم يقصر معه في النواحي المادية ويغطي كافة المصاريف.
وتقول أنها ورثت مبلغًا وقررت شراء سيارة جديدة، وهناك تعرفت على صاحب معرض السيارات الذي كان لطيفًا في حديثه، ودار بينهما مزاح ثم خرجا لتجربة السيارة، وأثناء ذلك سألها إن كانت متزوجة فأنكرت، فاقترح عليها الزواج العرفي لكونه متزوجًا ولديه أبناء، فوافقت وتزوج عرفي يلتقيان على إثره من وقت لآخر.
ظن المحامي أن الحكاية انتهت عند هذا الحد، لكنها أردفت بأن هذه ليست كل القصة، حيث قابلت بعد فترة بالصدفة جارًا قديمًا كانت تحبه وجلسا يسترجعان الذكريات، وحكى لها عن طلاقه ثم سألها نفس السؤال إن كانت متزوجة فأنكرت مجددًا، فاقترح عليها الزواج العرفي ووافقت، ليكون لها زوج عرفي ثانٍ يلتقيان على فترات متباعدة.
وبسؤال المحامي لها عما حدث بعد ذلك، روت الواقعة الثالثة حين تجاوزت السرعة القانونية بسيارتها فأوقفها ضابط شرطة، وتحدث معها بلطف وتطورت المعرفة بينهما لاتفاق على اللقاء في مكان عام، وهناك عرض عليها الزواج وهو أعزب، فاشترطت أن يكون عرفيًا وتم ذلك بالفعل.
المحامي تركها تكتمل، لتشرح أن المشكلة بدأت مع الزوج الثالث الذي لم يكن كبقية الأطراف، إذ أراد تواجدها المستمر ولم يقبل باللقاءات المتباعدة، ولم تكن هي قادرة على التوفيق بين جميع الأزواج فبدأت تتهرب منه وتغلق هاتفها، مما أثار شكوكه وجعله يراقب تحركاتها.
وفي أحد الأيام أثناء وجودها معه، وضع لها مادة منومة في المشروب، وفقدت الوعي، ففتح هاتفها وقرأ المحادثات والرسائل التي كشفت له وجود الزوج المقيم بالخارج، ورسائل صاحب المعرض، والجار القديم، وكافة تفاصيل العلاقات الأخرى، وعندما استوعب الحقيقة هددها بإبلاغ زوجها الأصلي وفضح أمرها، ثم سألت المحامي عن موقفها القانوني وما يجب عليها فعله.
سألها المحامي وهو في حالة ذهول إن كانت تجمع بالفعل بين زوج شرعي وثلاثة أزواج عرفيين في نفس الوقت، فأجابته بكل ثقة وتساؤل عن المشكلة في ذلك، مستشهدة بالآية الكريمة "مثنى وثلاث ورباع".
لم تكمن الغرابة في التصرف وحده، بل في الفهم المنحرف للآية التي استندت إليها لتبرير فعلها، فالنص القرآن يبيح التعدد للرجل وفق ضوابط وشروط ومسؤوليات محددة، وليس إذنًا للمرأة بالجمع بين عدة أزواج. الأدهى أن الإنسان قد لا يبحث عن الحق وإنما يفتش عن نص يوافق هواه ليبني عليه مبررًا يريح به ضميره، فالخطأ يظل خطأ مهما جرى تغيير مسمياته، والنصوص الشرعية لا تُنتزع من سياقها لتغطية الأهواء، وأخطر ما يواجه المرء ليس الوقوع في الخطأ فحسب، بل إقناع نفسه بأنه لم يخطئ من الأساس.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق