الأربعاء، 12 أغسطس 2026

زواج القاصرات.. طفولة تُغتال باسم الزواج

كتب: كرم أيمن سعد غفرى مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الانسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الانسان 
هناك قضايا لا يجوز أن تمر أمام أعيننا في صمت، وهناك ممارسات اجتماعية تحتاج إلى صوتٍ يصرخ قبل أن تتحول معاناة الطفلات إلى أرقام في سجلات لا يشعر بها أحد.
ومن بين أخطر هذه القضايا زواج القاصرات وزواج الأطفال؛ فكيف يمكن لأب أن ينظر إلى ابنته التي لم تتجاوز السادسة عشرة أو السابعة عشرة، وهي في بداية عمرها، وفي أزهى مراحل طفولتها وشبابها، ثم يقرر أن يدفع بها إلى مسؤولية الزواج والحمل والإنجاب والأسرة؟
أين ذهبت طفولتها؟ وأين حقها في التعليم؟ وأين حقها في أن تنضج وتختار مستقبلها في الوقت المناسب؟
المشكلة لا تقف عند حدود الزواج المبكر فقط، وإنما تمتد إلى ممارسات غير رسمية تُثار بشأنها شكاوى في بعض المناطق، مثل عقد زيجات عرفية أو الإعلان عن الزواج داخل نطاق الأسرة والمجتمع، ثم الانتظار حتى تبلغ الفتاة السن القانونية لمحاولة توثيق الزواج. وهذه الممارسات تحتاج إلى رقابة جادة وتطبيق حاسم للقانون، لأن القانون المصري لا يجيز توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ 18 عامًا ميلاديًا كاملًا. �
موقع  دار الإفتاء المصرية +١
ولكن السؤال الأكبر: ماذا يحدث للفتاة؟
فتاة في السادسة عشرة أو السابعة عشرة قد تجد نفسها فجأة أمام بيت ومسؤوليات زوجية وحمل وولادة، بينما لا تزال هي نفسها بحاجة إلى التعليم والرعاية والتوجيه والحماية.
وماذا لو حدثت مضاعفات صحية أثناء الحمل أو الولادة؟
وماذا لو تعرضت لمشكلة صحية خطيرة؟
وماذا لو وقع انفصال أو نزاع ولم تكن العلاقة موثقة بصورة قانونية سليمة؟
وماذا عن حقوقها وحقوق طفلها وإثبات النسب وتسجيل المواليد؟
هذه ليست أسئلة للتخويف، وإنما أسئلة واقعية يجب أن تدفع المجتمع إلى الوقاية قبل وقوع المشكلة، وأن تجعل حماية الفتاة مسؤولية الأسرة والدولة والمجتمع معًا.
والأخطر أن الدولة نفسها تتعامل مع القضية باعتبارها ملفًا يحتاج إلى مواجهة وتوعية؛ فقد شاركت وزارة الصحة والسكان والمجلس القومي للسكان في جهود تستهدف الحد من زواج الأطفال، كما شهد عام 2026 نقاشات رسمية حول الظاهرة وآثار الأعراف الاجتماعية والمفاهيم الدينية المغلوطة المرتبطة بها. �
الهيئة الوطنية للانتخابات +١
يا آباء مصر.. ابنتكم ليست صفقة
أيها الأب..
ابنتك ليست عبئًا تريد التخلص منه.
وليست مسؤولية تريد أن تلقي بها على رجل آخر.
وليست ورقة اجتماعية تريد أن تغلق بها بابًا من أبواب القلق.
ابنتك إنسانة لها مستقبل، ولها حق في التعليم والصحة والأمان والاختيار والحياة الكريمة.
فلا تجعل الفقر أو العادات أو ضغط المجتمع سببًا في اختصار عمر طفلة وتحويلها في لحظة إلى زوجة وأم، قبل أن تكون مستعدة نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا لهذه المسؤولية.
والريف المصري يحتاج إلى حملة توعية حقيقية
نحن لا نتحدث عن قرية بعينها أو محافظة بعينها، ولا نريد توجيه الاتهام إلى الأسر التي تعاني من ظروف اقتصادية أو اجتماعية صعبة، وإنما نطالب بتغيير ثقافة متوارثة في بعض البيئات، خصوصًا في المناطق الريفية، تقوم أحيانًا على اعتبار الزواج المبكر حلًا لمشكلات الأسرة.
الحل ليس في تزويج الطفلة.
الحل في التعليم، والدعم الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي، والتوعية، وحماية الفتاة من الاستغلال والضغط الاجتماعي.
نداء عاجل إلى مؤسسات الدولة
نناشد رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء دعم الجهود الوطنية لمواجهة زواج الأطفال، ووضع الملف ضمن أولويات الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية.
ونناشد وزارة التضامن الاجتماعي بتوسيع برامج التوعية والحماية للأسر الأكثر احتياجًا، والوصول إلى القرى والمناطق التي تحتاج إلى تدخل اجتماعي مباشر.
ونناشد وزارة الصحة والسكان والمجلس القومي للسكان استمرار الحملات الصحية والتوعوية بشأن مخاطر الحمل والولادة في السن المبكرة، وتعزيز المشورة الصحية والأسرية.
كما نناشد وزارة الداخلية والنيابة العامة والجهات القضائية المختصة التعامل بحسم مع أي وقائع مخالفة للقانون أو استغلال للأطفال، وفقًا لما تثبته التحقيقات والأدلة.
ونناشد المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة مواصلة حملات التوعية والحماية، ورصد الحالات التي تستوجب التدخل، ودعم حقوق الفتيات والأطفال.
كما نناشد الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والقيادات الدينية والمجتمعية المشاركة بقوة في تصحيح المفاهيم الخاطئة، لأن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى خطاب ديني واجتماعي واعٍ يصل إلى الأسرة المصرية في القرية قبل المدينة.
وقد أكد المجلس القومي للمرأة في مارس 2026 أن زواج الأطفال قضية اجتماعية وقانونية خطيرة تمثل انتهاكًا لحقوق الطفلة وتهديدًا لبناء الأسرة واستقرار المجتمع، ودعا إلى تشريع حاسم لمواجهة أشكاله. �
حقوق الإنسان للدراسات
كلمة أخيرة إلى المجتمع
لا تنتظروا أن تتحول الطفلة إلى ضحية حتى نبدأ في السؤال: من المسؤول؟
إذا مرضت، فمن المسؤول؟
إذا تعرضت لمضاعفات الحمل، فمن المسؤول؟
إذا انهار الزواج، فمن يحميها؟
إذا فقدت تعليمها ومستقبلها، فمن يعيد إليها سنوات عمرها؟
وإذا وقعت مأساة لا قدر الله، فلن تستطيع الكلمات أن تعيد الزمن إلى الوراء.
الطفلة ليست مشروع زوجة قبل أوانها.. الطفلة مشروع إنسان ومستقبل ووطن.
فلنحارب زواج الأطفال بالوعي والقانون والرعاية الاجتماعية، ولنقف جميعًا أمام كل ممارسة تضع طفلة في مواجهة مسؤوليات أكبر من عمرها.
مصر التي تريد بناء الإنسان لا يمكن أن تترك طفولتها تُختصر في عقد زواج قبل أوانه.
**حماية بناتنا ليست رفاهية.. إنها مسؤولية وطنية، وحق أصيل، وواجب على الأسرة والمجتمع والدولة.**

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot