السبت، 15 أغسطس 2026

الحياة الزوجية في زمن العولمة والتكنولوجيا.. عندما تتحول السوشيال ميديا من وسيلة للتواصل إلى سبب للطلاق

بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد الحياة الزوجية اليوم تواجه تحدياتها التقليدية فقط، بل أصبحت تقف أمام تحدٍّ جديد فرضته العولمة والتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي دخلت كل بيت، وأصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية. وبينما كان من المفترض أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتقريب المسافات وتسهيل التواصل، تحولت في بعض البيوت إلى باب واسع للخلافات والشكوك والمقارنات والتدخل في الخصوصيات، بل وأحيانًا إلى طريق ينتهي بالانفصال والطلاق.
لقد أصبحنا أمام مشهد مؤلم؛ زوج وزوجة يجلسان في بيت واحد، ولكن كل منهما يعيش داخل عالم مختلف خلف شاشة هاتفه. الحوار الحقيقي تراجع، والاهتمام المتبادل انخفض، وأصبح البعض يبحث عن السعادة في العالم الافتراضي أكثر مما يبحث عنها داخل أسرته. والأخطر من ذلك هو التقليد الأعمى لما يُعرض على منصات التواصل، دون التفكير في أن ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة الحقيقة الكاملة، وأن حياة الآخرين التي تبدو مثالية قد تكون مجرد صورة أو مقطع مصطنع لا يعكس الواقع.
ومن أخطر الظواهر التي أصابت بعض الأسر تحويل الخلافات الزوجية وأسرار البيوت إلى مادة للنشر أمام الملايين. كيف يمكن لزوج أو زوجة أن يعرض تفاصيل حياته الخاصة على الملأ، ويكشف أسرار شريك حياته، ويتحدث عن عيوبه ومشكلاته، ثم ينتظر أن تبقى بينهما مودة أو احترام؟ إن البيت له حرمة، والحياة الزوجية لها خصوصيتها، وما يحدث بين الزوجين لا ينبغي أن يتحول إلى مشهد عام يبحث صاحبه من خلاله عن التعاطف أو المشاهدات.
والأشد خطورة أن يصل الأمر إلى السب والقذف والإهانة والتشهير المتبادل، وكأن سنوات العشرة والمودة أصبحت بلا قيمة أمام لحظة غضب أو رغبة في تحقيق انتشار إلكتروني. وقد يفعل البعض ذلك عن قصد، بينما يقع آخرون فيه دون إدراك لحجم العواقب، خصوصًا عندما يصبح ما يسمى بـ«الترند» هدفًا في حد ذاته، فيسعى البعض إلى صناعة محتوى صادم أو مثير للجدل من أجل المشاهدات والأموال، ولو كان الثمن كرامة الأسرة وخصوصية الزوجين ومستقبل الأبناء.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟ ولماذا أصبح بعضنا يقلد كل ما يراه دون وعي أو ضابط أخلاقي؟ ولماذا أصبح عدد المشاهدات والإعجابات أحيانًا أهم من رضا الله، وراحة الأسرة، وكرامة الإنسان؟ إن التكنولوجيا ليست هي المشكلة في ذاتها، وإنما المشكلة في طريقة استخدامها، فالوسيلة قد تكون نافعة إذا أحسن الإنسان توظيفها، وقد تتحول إلى وسيلة للهدم إذا غابت عنها الأخلاق والرقابة الذاتية.
لقد وضع الإسلام للحياة الزوجية أساسًا عظيمًا يقوم على المودة والرحمة والاحترام وحفظ الحقوق والستر. ويقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهل نتذكر هذه الكلمات عندما نختلف؟ هل نتذكرها قبل أن نكتب منشورًا نفضح فيه شريك حياتنا؟ هل نتذكرها قبل أن نسجل مقطعًا نسيء فيه إلى زوج أو زوجة عشنا معه سنوات؟ وهل نتذكر أن الكلمة التي تُكتب على الإنترنت قد تبقى وتنتشر، حتى بعد أن يهدأ الغضب وينتهي الخلاف؟
وكان النبي محمد ﷺ قدوة عظيمة في التعامل مع الأسرة، وفي الرحمة وحسن المعاشرة، وكانت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن نموذجًا في الحياة الزوجية والستر وحفظ خصوصية البيت. ونحن في أمسّ الحاجة اليوم إلى أن نستعيد هذه القيم في حياتنا، لا بالشعارات فقط، وإنما بالممارسة اليومية البسيطة: كلمة طيبة، احترام متبادل، حوار هادئ، غض الطرف عن بعض الأخطاء، وعدم نقل أسرار البيت إلى الآخرين، فضلًا عن عدم تحويلها إلى محتوى على مواقع التواصل.
كما أن الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا لا يقتصر على نشر الأسرار، بل يمتد إلى إهدار الوقت، والانشغال المستمر بالهاتف، ومراقبة حياة الآخرين، والمقارنة المستمرة بين الزوج والزوجة وبين أسرتهما وأسر الآخرين، والتدخل في العلاقات الزوجية من خلال نصائح مجهولة المصدر أو تجارب لا تشبه واقع الأسرة. وكل ذلك قد يصنع توقعات غير واقعية، ويجعل الإنسان ساخطًا على حياته لأنه يقارن واقعه بصور منتقاة من حياة الآخرين.
إن الحفاظ على الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوج والزوجة، وليست مسؤولية طرف واحد. وعلى الأسرة المصرية أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تجعل التكنولوجيا خادمة للبيت لا حاكمة عليه، وأن يكون هناك وقت للحوار بعيدًا عن الهواتف والشاشات، وأن يتعلم الزوجان أن الخلاف الطبيعي لا يعني نهاية الحياة الزوجية، وأن حل المشكلات يحتاج إلى عقل وحكمة وستر، وليس إلى جمهور إلكتروني.
وفي النهاية، لا بد أن ندرك أن الطلاق ليس مجرد كلمة تُكتب في نهاية علاقة، وإنما قد يكون وراءها بيت مهدوم، وأبناء متألمون، وذكريات جميلة تحولت إلى صراع. لذلك علينا أن نعيد للزواج معناه الحقيقي، وأن نجعل الدين والأخلاق والرحمة أساسًا لحياتنا، وأن نستخدم التكنولوجيا بعقل ومسؤولية، وأن نتوقف عن بيع خصوصياتنا من أجل «الترند» أو المال أو الشهرة. فالبيت الذي يُبنى على المودة والرحمة والستر أقوى من أي موجة إلكترونية، والأسرة التي تعرف قيمة ما بينها لا تسمح لشاشة هاتف أن تهدم ما بنته سنوات من العشرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot