السبت، 15 أغسطس 2026

السوشيال ميديا.. رصاصة إلكترونية تصيب القلب والعقل والجسد

بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل أصبحت عالمًا موازيًا يعيش فيه الإنسان ساعات طويلة من يومه، ويتأثر بما يراه ويسمعه ويقرأه لحظة بلحظة. وبينما حمل العصر الرقمي الكثير من مظاهر التطور، فإنه حمل معه تحديات نفسية واجتماعية خطيرة لا يمكن تجاهلها.
فالمنشور أو الصورة أو الفيديو الذي يتم تداوله عبر صفحات السوشيال ميديا قد يصل إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ معدودة، لكن الأخطر من ذلك هو ما يتركه هذا المحتوى في نفس الإنسان. كلمة واحدة جارحة، أو تعليق ساخر، أو حملة تنمر، أو تشويه متعمد، قد تكون بداية لمعاناة نفسية قاسية يعيشها الضحية بعيدًا عن أعين الآخرين.
إن بعض التعليقات والكلمات أصبحت أشبه برصاصة إلكترونية؛ لا نراها وهي تنطلق، لكنها قد تصيب القلب أولًا، ثم العقل، ثم تنعكس آثارها على الجسد والحياة بأكملها. فالشخص الذي يتعرض للإهانة أو التنمر بصورة متكررة قد يدخل في دائرة من الحزن والإحباط وفقدان الثقة بالنفس والعزلة، وقد تتفاقم معاناته إلى مشكلات نفسية تحتاج إلى تدخل متخصص.
والكارثة أن كثيرًا من مستخدمي السوشيال ميديا لا يدركون حجم المسؤولية المترتبة على كلماتهم. يكتب أحدهم تعليقًا ساخرًا ثم يغلق هاتفه وينسى الأمر، بينما قد يظل الطرف الآخر ساعات أو أيامًا يفكر في تلك الكلمات، وربما تصبح جزءًا من صورة سلبية يكوّنها عن نفسه وعن المجتمع من حوله.
لقد تحولت السوشيال ميديا لدى بعض الأشخاص من وسيلة للتواصل إلى حالة من التعلق القهري؛ فلا يستطيع الإنسان الابتعاد عن الهاتف، ولا يتوقف عن متابعة الإعجابات والتعليقات والمشاهدات، وأصبح تقييم الآخرين له مرتبطًا بعدد الإعجابات والتفاعلات. وهنا يفقد الإنسان جزءًا من هويته الحقيقية، ويبدأ في صناعة شخصية رقمية لإرضاء الجمهور بدلًا من أن يعيش حياته بصورة طبيعية.
والأخطر أن المقارنة المستمرة عبر هذه المنصات تجعل الإنسان يرى حياة الآخرين من خلال صور منتقاة ومواقف مصطنعة، فيعتقد أن الجميع يعيشون حياة أفضل منه. وهكذا تتحول الشاشة من نافذة على العالم إلى مرآة تشوه صورة الإنسان عن نفسه، وتدفعه إلى الشعور بالنقص والفشل واليأس.
ولا يمكن أن ننكر أن التكنولوجيا والسوشيال ميديا أصبحتا جزءًا أساسيًا من عصرنا، وأن لهما فوائد كبيرة في التعليم والتواصل والعمل ونقل المعرفة. لكن التقدم الحقيقي لا يقاس بعدد التطبيقات ولا بسرعة الإنترنت فقط، وإنما يقاس بقدرتنا على حماية الإنسان وكرامته وصحته النفسية أثناء هذا التقدم.
ومن هنا نحتاج إلى مواجهة هذه الأزمة من خلال نشر الوعي بالمسؤولية الرقمية، وتعليم الأطفال والشباب كيفية التعامل الآمن مع مواقع التواصل، ومواجهة التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية والتشهير، وتشجيع من يتعرضون لضغوط نفسية على طلب المساعدة من الأسرة والمتخصصين بدلًا من تركهم وحدهم في مواجهة الألم.
كما تقع على المؤسسات التعليمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في نشر ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، والتأكيد على أن خلف كل حساب إنسانًا له مشاعر وكرامة، وأن حرية التعبير لا تعني إهانة الآخرين أو تدمير حياتهم النفسية.
إننا لا نرفض التكنولوجيا، ولا نحارب العصر الرقمي، وإنما نريد تكنولوجيا في خدمة الإنسان لا إنسانًا أسيرًا للتكنولوجيا. فكلما تقدم العالم رقميًا، يجب أن نتقدم معه إنسانيًا وأخلاقيًا، وإلا تحولت أدوات التطور إلى أدوات تستنزف الإنسان بدلًا من أن تخدمه.
وفي النهاية، علينا أن نتذكر دائمًا أن الكلمة مسؤولية، والصورة مسؤولية، والتعليق مسؤولية، والمشاركة مسؤولية. فلا تجعلوا من أصابعكم أدوات لهدم إنسان آخر، ولا تسمحوا لشاشة صغيرة أن تختصر قيمة الإنسان في إعجاب أو تعليق أو مشاهدة.
التقدم الحقيقي هو أن نحمي الإنسان من أخطار التكنولوجيا، لا أن نترك التكنولوجيا تلتهم الإنسان وهويته وأخلاقه وحياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot