السبت، 15 أغسطس 2026

الكتابةعندما تتحدث العربية بلسانٍ غربي.. هل أصبحنا نفقد هويتنا في عصر التكنولوجيا؟

بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
نعيش اليوم في عصر التكنولوجيا والاتصال المفتوح، حيث أصبح العالم بالفعل قرية صغيرة تتداخل فيها الثقافات والأفكار واللغات بصورة غير مسبوقة. لكن وسط هذا الانفتاح الكبير، يبرز سؤال خطير: هل أصبح الانفتاح على العالم يعني التخلي التدريجي عن لغتنا العربية وهويتنا الثقافية؟
لم يعد غريبًا أن نجلس في مجالسنا أو نتحدث مع أبنائنا وأصدقائنا فنجد كلمات ومصطلحات غربية تتسلل إلى أحاديثنا اليومية، حتى أصبح بعضها جزءًا من اللغة التي يتداولها الشباب والكبار دون أن يعرف كثيرون معناها الحقيقي أو أصلها أو السياق الذي ظهرت فيه. والأكثر إثارة للقلق أن البعض يستخدم هذه المصطلحات لمجرد أنها أجنبية، وكأن الكلمة الأجنبية أصبحت دليلًا على الثقافة والتقدم.
وهنا تطرح نفسها مجموعة من الأسئلة: من أين جاء هذا المصطلح؟ ومن وضعه؟ وماذا يعني تحديدًا؟ ومتى يجب استخدامه؟ وهل له مقابل عربي واضح؟ وهل استخدامه ضرورة حقيقية أم مجرد تقليد اجتماعي؟ أسئلة كثيرة، لكن في المقابل نجد اندفاعًا كبيرًا نحو الترديد والاستخدام دون بحث أو معرفة.
لقد أصبح البعض ينظر إلى الإنسان الذي لا يستخدم المصطلحات الغربية في حديثه باعتباره شخصًا متأخرًا أو غير مواكب للعصر، بينما الحقيقة أن التحضر لا يقاس بعدد الكلمات الأجنبية التي نرددها، وإنما بمدى وعينا وفهمنا واحترامنا للغتنا وثقافتنا وقدرتنا على التعامل مع العالم بعقل منفتح دون أن نفقد جذورنا.
إن اللغة ليست مجرد وسيلة للكلام، بل هي وعاء للهوية والذاكرة والثقافة والتاريخ. واللغة العربية ليست لغة عادية بالنسبة إلينا؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة تراث أدبي وفكري وحضاري امتد عبر قرون طويلة. ولذلك فإن استبدال الكلمات العربية دون حاجة حقيقية، أو التعامل مع العربية باعتبارها لغة قديمة لا تليق بالعصر، يمثل مشكلة ثقافية تحتاج إلى وقفة جادة.
ولا يعني ذلك أن نغلق أبوابنا أمام اللغات الأخرى أو نرفض الاستفادة من الحضارات والثقافات المختلفة. على العكس، تعلم اللغات والانفتاح على العالم من أدوات التقدم الحقيقية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعلم إلى تقليد، والانفتاح إلى ذوبان، والتطور إلى فقدان للهوية.
لقد لعبت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا هائلًا في سرعة انتشار المصطلحات الجديدة، فأصبحت الكلمة تنتقل من مجتمع إلى آخر خلال دقائق، وتتحول من مصطلح متخصص إلى كلمة تستخدم في الحياة اليومية دون أن يتوقف كثيرون عند معناها أو دلالتها. وهنا لا بد أن يكون الإنسان مستخدمًا للتكنولوجيا، لا تابعًا لكل ما تفرضه عليه شاشاتها.
إن مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية ليست مسؤولية المدارس والجامعات فقط، بل مسؤولية الأسرة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمجتمع كله. ويجب أن نعلّم أبناءنا أن استخدام العربية ليس عيبًا، وأن الاعتزاز باللغة لا يتعارض مع التقدم، وأن الإنسان يستطيع أن يكون مواكبًا للتكنولوجيا وأكثر انفتاحًا على العالم، وفي الوقت نفسه شديد الاعتزاز بلغته وهويته.
نحن لا نحتاج إلى حرب مع المصطلحات الغربية، وإنما نحتاج إلى وعي لغوي وثقافي يميز بين ما نحتاج إليه فعلًا وما نستخدمه لمجرد التقليد. فإذا كان للمصطلح ضرورة علمية أو تقنية ولا يوجد له مقابل عربي دقيق، فلا مشكلة في استخدامه بعد فهمه، أما أن تصبح الكلمات الأجنبية زينة في أحاديثنا اليومية لإثبات أننا أكثر تحضرًا من غيرنا، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: ماذا بقي من هويتنا إذا أصبحنا نستحي من لغتنا؟
إن التقدم الحقيقي لا يعني أن نتخلى عن أنفسنا كي نشبه الآخرين، وإنما أن نأخذ من العالم ما ينفعنا، ونطور أدواتنا، ونحافظ في الوقت ذاته على شخصيتنا ولغتنا وثقافتنا. فالأمم التي تتقدم علميًا لا تتخلى بالضرورة عن لغاتها، بل تجعل لغتها قادرة على استيعاب العلوم والتكنولوجيا والمفاهيم الحديثة.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن العالم أصبح قرية واحدة، نعم، ولكن القرية الواحدة لا تعني أن تختفي بيوت أهلها وهوياتهم. فلنفتح أبوابنا للعالم، ونتعلم من تجاربه، ونستخدم أحدث التكنولوجيا، ولكن دون أن نسمح لعصر التكنولوجيا بأن يمحو لغتنا العربية الجميلة من حياتنا، ودون أن نعتقد أن التقدم يبدأ عندما نتحدث بلسان غيرنا.
فاللغة هوية.. والهوية كرامة.. ومن يفقد لغته تدريجيًا، قد يفقد جزءًا من ذاكرته وشخصيته وانتمائه دون أن يشعر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot