شهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تغيرًا واضحًا في فلسفة الاستثمار، فلم يعد التركيز منصبًا على المشروعات التي تحقق أرباحًا سريعة فقط، بل أصبح الاهتمام الأكبر بالمشروعات القادرة على الاستمرار والنمو لعقود. وأصبح المستثمر ينظر إلى استقرار السوق، وتوافر البنية التحتية، وجودة التشريعات، بنفس أهمية العائد المالي المتوقع.
وفي هذا الإطار، برزت القطاعات الإنتاجية كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي. فكل مصنع جديد لا يضيف خط إنتاج فحسب، بل يخلق سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ بالموردين، وتمر بالنقل والخدمات اللوجستية، وتنتهي بالتوزيع والتصدير. لذلك، فإن الاستثمار في الإنتاج يحقق أثرًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المشروع نفسه.
كما أن الاقتصادات التي تعتمد على الإنتاج تمتلك قدرة أكبر على مواجهة التقلبات العالمية. فكلما ارتفعت نسبة التصنيع المحلي، انخفضت الحاجة إلى الاستيراد، وازدادت القدرة على تلبية احتياجات السوق، وتحسنت فرص التوسع في الأسواق الخارجية من خلال تصدير منتجات تحمل قيمة مضافة أعلى.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب بيئة داعمة، تشمل توفير الأراضي الصناعية المرفقة، وتيسير إجراءات التراخيص، وتوفير التمويل، وربط الصناعة بالبحث العلمي والتكنولوجيا. فالتنافسية لم تعد تعتمد على انخفاض تكلفة الإنتاج فقط، بل أصبحت تعتمد أيضًا على جودة المنتج، وسرعة الوصول إلى السوق، والقدرة على الابتكار.
إن الاقتصاد الذي يراهن على الإنتاج هو اقتصاد يراهن على المستقبل. فالدول التي تستثمر في بناء قاعدة صناعية قوية، وتدعم الابتكار، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار، لا تحقق نموًا مؤقتًا، بل تؤسس لاقتصاد أكثر قوة واستقرارًا وقدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه قواعد الاقتصاد بوتيرة متسارعة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق