بقلم
المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الإنسان
خلال الساعات الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عناوين مثيرة من بينها: "هل سينفجر القمر؟"، الأمر الذي أثار حالة من القلق والتساؤلات لدى ملايين الأشخاص حول العالم.
لكن الحقيقة العلمية تؤكد أن القمر لن ينفجر، ولن يتعرض لأي خطر يهدد وجوده، وإنما ما سيحدث هو اصطدام جسم فضائي صغير نسبيًا بسطحه، وهو حدث يراه علماء الفلك فرصة علمية نادرة لدراسة طبيعة سطح القمر وتأثير الاصطدامات الفضائية.
ما الذي سيصطدم بالقمر؟
الجسم الذي سيتعرض للاصطدام هو المرحلة العليا من أحد صواريخ شركة سبيس إكس الأمريكية، والتي استُخدمت في إحدى المهمات الفضائية، ثم تُركت لتدور في الفضاء بعد انتهاء مهمتها، قبل أن تنجرف تدريجيًا في مسار تصادمي مع القمر.
هذا الاصطدام ليس عملية مقصودة، وإنما جاء نتيجة الحسابات المدارية المعقدة وتأثير جاذبية الأرض والقمر والشمس على مدار الصاروخ بعد انتهاء مهمته.
سرعة الاصطدام
بحسب خبراء تتبع الأجسام الفضائية، وعلى رأسهم بيل جراي، فمن المتوقع أن يصطدم الصاروخ بالقمر بسرعة تصل إلى:
5400 ميل في الساعة
أي ما يعادل أكثر من 8700 كيلومتر في الساعة.
وهي سرعة تفوق سرعة الصوت بعدة مرات، ما يجعل الاصطدام شديد العنف بالنسبة لجسم معدني، لكنه ضئيل للغاية مقارنة بحجم القمر الهائل.
أين سيحدث الاصطدام؟
تشير الحسابات الفلكية إلى أن الاصطدام سيقع بالقرب من فوهة أينشتاين الواقعة على الطرف الغربي المضاء من سطح القمر.
وتتميز هذه المنطقة بأنها بعيدة عن أماكن هبوط البعثات المأهولة، وبالتالي لا تمثل خطرًا على أي منشآت فضائية حالية.
هل سينفجر القمر؟
الإجابة العلمية الواضحة هي:
لا.
القمر جرم سماوي يبلغ قطره أكثر من 3474 كيلومترًا، بينما الجزء الذي سيصطدم به لا يمثل سوى جسم صغير جدًا مقارنة بحجمه.
الاصطدام سيؤدي فقط إلى:
تكوين فوهة جديدة.
تطاير كميات من الغبار والصخور.
انبعاث طاقة تعادل تقريبًا ثلاثة أطنان من مادة TNT.
انتشار سحابة من الحطام يمكن للتلسكوبات الفضائية رصدها.
أما القمر نفسه فلن يتغير مداره، ولن يتعرض لأي انفجار أو تشقق أو انهيار.
حجم الفوهة المتوقعة
يتوقع العلماء أن يخلف الاصطدام:
فوهة قطرها نحو 90 قدمًا (قرابة 27 مترًا).
عمق يصل إلى 16 قدمًا (حوالي 5 أمتار).
ورغم أن هذه الفوهة كبيرة بالنسبة للمقياس البشري، فإنها صغيرة جدًا مقارنة بحجم القمر، ولا يمكن رؤيتها من الأرض بالعين المجردة.
لماذا يهتم العلماء بهذا الحدث؟
هذا الاصطدام يمثل تجربة طبيعية مهمة للغاية، حيث يسعى الباحثون إلى دراسة:
كيفية تطاير الغبار القمري.
طبيعة الصخور الموجودة تحت سطح القمر.
تأثير الحطام على المركبات الفضائية المستقبلية.
المخاطر التي قد تواجه رواد الفضاء في المهمات القادمة.
وقد أوضح العالم بنجامين فرناندو أن ضعف الجاذبية على القمر وعدم وجود غلاف جوي أو رياح يجعل الغبار يظل معلقًا لفترة أطول، مما يسمح بدراسته بدقة.
هل يمكن رؤية الاصطدام من الأرض؟
يتوقع العلماء أن:
يكون وميض الاصطدام ضعيفًا جدًا.
يستمر أقل من ثانية.
يصعب رؤيته بالعين المجردة.
لكن سحابة الغبار الناتجة قد تبقى مرئية لبعض الوقت بواسطة التلسكوبات الكبيرة.
دور ناسا والمركبات الفضائية
تستعد عدة مركبات فضائية لتوثيق الحدث، من بينها:
مركبة استطلاع القمر المدارية التابعة لوكالة ناسا.
المركبة الكورية الجنوبية دانوري.
وستلتقط هذه المركبات صورًا لموقع الاصطدام قبل وبعد الحدث، مما يساعد العلماء على مقارنة التغيرات التي حدثت على سطح القمر.
هل هذه أول مرة؟
لا.
ففي عام 2022 اصطدم جزء من صاروخ معطل بسطح القمر، وأدى إلى تكوين حفرتين على الجانب البعيد منه، وكان ذلك أول حادث معروف من هذا النوع.
أما الاصطدام الحالي فيعد ثاني حادث موثق لجسم صاروخي يصطدم بالقمر بصورة غير مقصودة.
ازدحام الفضاء... تحدٍ عالمي
يرى الخبراء أن هذا الحادث يسلط الضوء على مشكلة متزايدة، وهي تراكم الحطام الفضائي الناتج عن آلاف الصواريخ والأقمار الصناعية التي انتهت مهماتها.
ومع تزايد النشاط الفضائي، أصبحت إدارة هذه المخلفات ضرورة لضمان سلامة المهمات المستقبلية وحماية الأقمار الصناعية ورواد الفضاء.
الخلاصة
الخبر لا يتعلق بانفجار القمر أو تعرضه لخطر وجودي، بل بحدث علمي مهم يتمثل في اصطدام المرحلة العليا لصاروخ فضائي مهمل بسطحه، وهو اصطدام سيؤدي إلى تكوين فوهة جديدة وتطاير الغبار، دون أي تأثير على استقرار القمر أو مداره.
ويبقى هذا الحدث تذكيرًا بأهمية الإدارة المسؤولة للمخلفات الفضائية، خاصة مع دخول البشرية عصرًا جديدًا من الاستكشاف الفضائي والبعثات المتكررة إلى القمر وما بعده.
القمر سيبقى كما هو... لكن العلماء سيخرجون من هذا الحدث بمعلومات قد تساعد في رسم مستقبل رحلات الإنسان إلى الفضاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق