بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان – مراسل صحفي بجريدة قلب الحدث – محرر بجريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
بين منشورات السوشيال ميديا وغياب البيان الرسمي.. مغاغة تنتظر الحقيقة
في الساعات الأخيرة، تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في نطاق مركز مغاغة بمحافظة المنيا منشورات تتحدث عن ضبط أشخاص بحوزتهم حمير مذبوحة، الأمر الذي أثار حالة واسعة من الجدل والقلق بين المواطنين، وفتح بابًا كبيرًا من التساؤلات حول حقيقة ما جرى.
لكن وسط هذا الجدل، هناك سؤال أهم من كل ما يتم تداوله:
هل الواقعة حدثت بالفعل بالصورة التي يتم تداولها؟
حتى إعداد هذا المقال، فإن التفاصيل المتداولة بشأن الواقعة لم تتوافر لها أمامنا تأكيدات رسمية مكتملة تحدد مكان الضبط بدقة، أو عدد الحمير المضبوطة، أو عدد الأشخاص الذين تم ضبطهم، أو هوياتهم، أو الإجراءات القانونية التي اتُخذت بحقهم.
كما ترددت معلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن ارتباط أحد الأشخاص بقرية عطف حيدر التابعة لمركز العدوة، إلا أن هذه المعلومة أيضًا لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة ما لم تصدر عن جهة رسمية أو مصدر موثوق يمكن الاستناد إليه.
لا تجعلوا مواقع التواصل محكمة
هنا يجب أن نتوقف.
انتشار صورة أو منشور أو مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن كل ما ورد فيه صحيح.
فالخبر الصحفي المسؤول لا يقوم على "قيل" و"سمعت"، ولا على منشور مجهول المصدر، وإنما يقوم على معلومات يمكن التحقق منها، ومصادر واضحة، وبيانات رسمية عندما يتعلق الأمر بواقعة أمنية أو قضية جنائية.
والأخطر من نشر خبر غير دقيق هو ذكر أسماء أشخاص أو قرى أو عائلات وربطها بجريمة دون دليل رسمي، لأن ذلك قد يحول منشورًا عابرًا إلى إساءة بالغة لأشخاص أبرياء.
لكن هل المخاوف بلا أساس؟
بالطبع لا.
القلق الشعبي مفهوم، خصوصًا أن الحديث عن حمير مذبوحة يثير تساؤلات مشروعة تتعلق بسلامة الغذاء، وما إذا كانت هناك محاولة لبيع لحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي، ومن يقف وراء ذلك إن ثبتت الواقعة.
كما أن محافظة المنيا شهدت في فترات سابقة وقائع مرتبطة بضبط حمير وجلود حمير، وهو ما يجعل المواطنين أكثر حساسية تجاه أي أخبار جديدة من هذا النوع.
لكن وجود وقائع سابقة لا يعني أن الواقعة الحالية صحيحة بكل تفاصيلها.
وهنا يجب أن نفرق بين الأمرين.
الحقيقة تحتاج إلى بيان واضح
إذا كانت الأجهزة الأمنية قد ضبطت بالفعل مركبة تحمل حميرًا مذبوحة، فمن حق المواطنين معرفة الحقيقة من خلال الجهات المختصة، وبالقدر الذي تسمح به إجراءات التحقيق.
وإذا كانت هناك عملية ضبط بالفعل، فإن الرأي العام ينتظر معرفة:
أين تمت عملية الضبط؟
كم عدد الحيوانات التي تم ضبطها؟
هل كانت مذبوحة بالفعل؟
من المسؤول عن عملية الضبط؟
هل تم ضبط أشخاص على ذمة الواقعة؟
ما نتيجة الفحص البيطري؟
هل توجد شبهة اتجار أو محاولة لترويج لحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي؟
وما الإجراءات القانونية التي تم اتخاذها؟
أما إذا كانت المنشورات المتداولة غير صحيحة أو تحتوي على معلومات مضللة، فمن المهم أيضًا توضيح ذلك للرأي العام حتى لا يستمر انتشار الشائعة.
نداء إلى الجهات المختصة
من هنا، نوجه نداءً إلى مديرية أمن المنيا، والأجهزة الأمنية المختصة بمركز مغاغة، ومديرية الطب البيطري، والجهات الرقابية والمحلية المختصة بسرعة توضيح حقيقة الواقعة، إذا كانت قد وقعت بالفعل، وبيان ما يمكن إعلانه قانونًا للرأي العام.
فالشفافية في مثل هذه الوقائع لا تحمي المواطنين فقط، وإنما تمنع أيضًا انتشار الشائعات والاتهامات العشوائية.
كما نطالب الأجهزة الرقابية والبيطرية بتكثيف الحملات على الأسواق ومنافذ بيع اللحوم، والتأكد من سلامة المعروض ومطابقته للاشتراطات الصحية والقانونية.
إلى أهالي مغاغة.. لا تنساقوا وراء الشائعة
رسالتي إلى أهالي مغاغة واضحة:
لا تشاركوا منشورًا مجهول المصدر باعتباره حقيقة.
ولا تنشروا أسماء أشخاص أو صورًا أو اتهامات قبل التأكد من مصدر رسمي.
إذا كانت الواقعة حقيقية، فستظهر الحقيقة من خلال التحقيقات والبيانات الرسمية.
وإذا كانت غير صحيحة، فإن إعادة نشرها لن تؤدي إلا إلى نشر الخوف والإساءة إلى أشخاص قد لا تكون لهم أي علاقة بالموضوع.
الحقيقة أولًا.. ثم الخبر
هذه الواقعة تحديدًا تحتاج إلى الهدوء وليس إلى الإثارة.
نحن أمام خبر شديد الحساسية يمس الأمن وسلامة الغذاء وسمعة المواطنين، ولذلك فإن المسؤولية الصحفية تفرض علينا أن نقول ما نعرفه، وأن نوضح ما لا نعرفه، وألا نحول المعلومات المتداولة إلى حقائق قبل التحقق منها.
مغاغة تريد الحقيقة.. لا الشائعة.
والحقيقة لا يحددها منشور على فيسبوك، ولا تعليق على صورة، وإنما تحددها التحريات الرسمية، والفحوص المختصة، ونتائج التحقيقات والبيانات الصادرة من الجهات المعنية.
وفي انتظار أي بيان رسمي، تبقى واقعة ضبط الحمير المذبوحة في مغاغة قيد التحقق، ولا يجوز الجزم بتفاصيلها أو توجيه اتهامات لأشخاص بعينهم قبل ظهور الحقيقة كاملة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق