شهدت السياسة الصناعية خلال الفترة الأخيرة حزمة من القرارات التي تحمل رسالة واضحة مفادها أن الصناعة عادت لتتصدر أولويات الدولة. فقد تضمنت هذه القرارات التوسع في طرح الأراضي الصناعية، واستحداث آليات أكثر مرونة مثل نظام الإيجار المنتهي بالتملك، إلى جانب إطلاق خدمات رقمية تستهدف تسريع الإجراءات وتخفيف الأعباء الإدارية عن المستثمرين.
ومن حيث المبدأ، فإن هذه الخطوات تمثل تحولًا إيجابيًا طال انتظاره. فسنوات طويلة كانت الشكوى الأساسية للمستثمرين تتمثل في تعقيد الإجراءات، وطول دورة الحصول على الأرض والترخيص، وارتفاع التكلفة قبل أن يبدأ المصنع أول يوم إنتاج. ومن ثم، فإن أي قرار يختصر الوقت ويقلل التعقيدات يعد خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكن نجاح هذه القرارات لن يُقاس بعدد المبادرات التي أُطلقت، وإنما بعدد المصانع التي دخلت الإنتاج بالفعل. فالتحدي الحقيقي ليس في إصدار القرار، بل في تنفيذه بنفس السرعة التي أُعلن بها. فالمستثمر يحتاج إلى إجراءات موحدة، وجهة واضحة للتعامل، وجدول زمني يمكن الاعتماد عليه، بعيدًا عن اختلاف التفسير أو تكرار الطلبات بين الجهات المختلفة.
كما أن نظام الإيجار المنتهي بالتملك قد يفتح الباب أمام شريحة جديدة من المستثمرين الذين لا تسمح لهم السيولة بشراء الأرض منذ البداية، إلا أن نجاح هذا النظام سيتوقف على وضوح شروطه، وآليات التمويل، وطريقة انتقال الملكية، ومدى مرونة التعامل مع المستثمر في حال التوسع أو تعديل النشاط.
وفي الوقت نفسه، فإن توفير الأرض الصناعية وحده لا يكفي. فالمصنع يحتاج إلى تمويل مناسب، وطاقة مستقرة، ومرافق مكتملة، وعمالة مدربة، وربط لوجستي جيد بالأسواق والموانئ. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي هو الذي ينظر إلى الصناعة باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجرد تخصيص قطعة أرض.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب الاهتمام بالمصانع القائمة بنفس قدر الاهتمام بالمستثمر الجديد. فالكثير من المصانع تمتلك القدرة على مضاعفة إنتاجها إذا حصلت على حلول لمشكلاتها المتعلقة بالتمويل، أو التوسعات، أو التراخيص، أو التصدير. وفي كثير من الأحيان، يكون دعم مصنع قائم أسرع أثرًا وأقل تكلفة من إنشاء مصنع جديد من الصفر.
يمكن القول إن القرارات الأخيرة تعكس إرادة واضحة لإعادة تنشيط القطاع الصناعي، لكنها تمثل بداية الطريق لا نهايته. فنجاحها الحقيقي سيظهر عندما تتحول من نصوص وقرارات إلى خطوط إنتاج جديدة، وفرص عمل مستدامة، وصادرات متزايدة، ومصانع تعمل بكامل طاقتها. فالصناعة لا تحتاج فقط إلى قرارات جيدة، بل تحتاج إلى استمرارية في التنفيذ، ومرونة في التطبيق، وحوار دائم مع المستثمرين لضمان أن تظل السياسات مواكبة لاحتياجات الواقع.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق