الجمعة، 24 يوليو 2026

حين تقسو القلوب و تتجمد المشاعر وتتوارى القيم

 
بقلم د. سوهير الطويل استشاري نفسي واسري وتربوي 

الجريمة البشعة التي اقترفتها محامية الحقوق ضد الام صاحبة كل الفضل والحقوق جعلتنا نتوقف لنفكر كثيرا فيما يحدث ونستنتج ان  العالم يمر  اليوم بمرحلة شديدة الدقة والتعقيد من تاريخه البشري، مرحلة تتجلى فيها واحدة من أكبر المفارقات الإنسانية؛ إذ بالتوازي مع الطفرة العلمية، والتقدم المعرفي، والشعارات البراقة التي تتغنى بالإنسانية والحقوق، نرى جفافاً روحياً وقسوة قلوب وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. إنها أزمة "تناقض القيم"، حيث يعلو صوت الشعارات في العلن، بينما تغيب الحقوق والرحمة في الواقع.

 **أولاً: قسوة القلوب في الميزان الشرعي**
لم تكن قسوة القلوب يوماً مجرد عرض نفسي عابر، بل هي أصل كل شر وسبب كل جريمة. وقد حذر القرآن الكريم من هذه الآفة وحذّر من صيرورة القلب كالحجارة، بل أشد قسوة، فقال تعالى:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾** *(البقرة: 74)*.

إن قسوة القلب هي العقوبة الإلهية التي تحل بالإنسان حين يبتعد عن منهج الفطرة والرحمة، كما قال سبحانه:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ *(المائدة: 13)*.

وحين يقسى القلب، يفقد مرونته وإنسانيته، فلا تؤثر فيه موعظة، ولا يحركه دموع ضعيف، ولا تمنعه حرمة كبر أو قرابة؛ فيصير الإنسان كائناً مسيراً بالشهوة والأنانية والغضب الهستيري.

 *ثانياً: التناقض بين القول والعمل (انفصام القيم)*
من أشد مظاهر الخلل في عصرنا الحالي هو انفصال "الخطاب" عن "الممارسة". نجيد صياغة المبادئ، ونبرع في الحديث عن الرحمة والحقوق، لكن عند الاختبار الحقيقي نجد خواءً إيمانياً وأخلاقياً.
وقد شدد الشارع الحكيم على خطورة هذا الانفصام، واعتبر التناقض بين الظاهر والباطن سخطاً مقيتاً؛ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ *(الصف: 2-3)*.

إن المبادئ الحقيقية ليست مجرد نظريات تُردد أو ثقافة يُتَباهى بها، بل هي سلوك عملي ينعكس أولاً وأخيراً على معاملة أقرب الناس إلينا. فمن لا خير فيه لأهله وأقربائه، لا خير فيه للناس عامة، كما قال النبي ﷺ:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي»** *(رواه الترمذي)*.
 
ثالثاً: حقوق الوالدين.. الاختبار الأخلاقي الأكبر
تتجلى قسوة القلوب في أبشع صورها عندما تتعدى على أقدس الميثاقات البشرية: *حق الوالدين*. لقد جاء النهي القرآني متدرجاً ودقيقاً، ليبدأ من مجرد الضجر والضيق، حمايةً لكرامة الوالدَيْن في سن العجز والضعف:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ *(الإسراء: 23)*.

حين يصل بك الجهل أو القسوة إلى تجاوز هذا النص القرآني الصريح، فاعلم أن المنظومة الأخلاقية للإنسان قد انهارت بالكامل. فالأم والأب في سن الكبر ليسا عبئاً يُتخلص منه، بل هما باب الرحمة والجنة، والاعتداء عليهما بأي صورة هو انحراف عن الفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الناس عليها.

 رابعاً: كيف نعيد للقلوب لينها وللقيم قيمتها؟
إن علاج قسوة القلوب وتناقض القيم لا يكون بالشعارات، بل بالعودة الصادقة إلى المقاصد الشرعية السامية:
الاستغفار وذكر الله:
 فالذكر هو الملين الوحيد للقلوب الصلبة؛ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(الرعد: 28)

 *محاسبة النفس:* ألا يغتر الإنسان بمكانته أو شعاراته، وأن ينظر في أفعاله اليومية مع حوله.
 
تغليب القيمة العملية على الشعار: أن يُقاس تدين الإنسان وأخلاقه برحمته ومعاملته، لا بما يقوله على المنابر أو ينشره في الفضاءات العامة.
خاتمة:
إن المجتمعات لا تسقط بسبب قلة العلم أو وسائل التكنولوجيا، بل تسقط حين تجف العواطف الإيمانية، وتصير القلوب كالحجارة، وينفصل القول عن الفعل. والواجب على كل منا أن يبدأ بنفسه، فيفحص قلبه، ويراجع معاملاته، ويجعل من الرحمة والبر سلوكاً واقعياً يراه الناس، لا مجرد كلمات تُكتب وتُقال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot