بقلم : هبة الخطيب
ليست كل العلاقات في الحياة تُقاس بميزان الاتفاق والاختلاف، فهناك علاقةٌ خلقها الله أسمى من أن تهزها كلمة، وأطهر من أن تفسدها وجهة نظر، وأعمق من أن تنال منها لحظة غضب... إنها علاقة الابن بأمه.
قد تختلف العقول، وتتباين الشخصيات، وتتغير القناعات مع مرور السنين، لكن يبقى في القلب مكان لا ينافسه أحد، يحمل اسم الأم. فهي ليست مجرد إنسانة نحبها، بل هي الجذر الذي خرجت منه حياتنا، والدعاء الذي سبق أسماءنا، واليد التي امتدت إلينا قبل أن نستطيع مد أيدينا إلى الدنيا.
قد يرفع الابن صوته يومًا، وقد تغضب الأم، وقد تتباعد الآراء، لكن ما يبقى بعد كل ذلك هو الحنين. فالقلب يعرف أن هناك حضنًا لا يشبهه حضن، وقلبًا يخاف عليه حتى وإن أخطأ، وعينين تراقبان طريقه بالدعاء أكثر مما تراقبانه بالنظر.
ليست قداسة هذه العلاقة في أنها تخلو من الخلاف، بل في أنها أكبر من الخلاف. فالاختلاف موقف، أما الأم فهي وطن. والمواقف تتغير، أما الأوطان الحقيقية فتبقى تسكن القلب مهما ابتعدنا عنها.
كم من ابن أدرك متأخرًا أن كلمات أمه كانت خوفًا يرتدي ثوب النصيحة، وأن اعتراضها كان حبًا لا يعرف إلا طريق الحماية. وكم من أم سامحت ابنها قبل أن يعتذر، لأنها لا تعرف كيف يكون قلبها قاسيًا عليه.
إن أجمل ما في الأم أنها تمنح دون حساب، وتغفر دون شروط، وتنتظر دون أن تمل. ولذلك فإن برها ليس واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل هو وفاءٌ لمن منحت عمرها دون أن تطلب مقابلًا.
فلنختلف إن اختلفنا، ولكن لا نكسر خاطرًا كان أول من جبر خواطرنا. ولنتمسك بأدب الحديث، ولين الكلمة، ورقة القلب، لأن الجراح التي تصيب قلب الأم لا يراها الناس، لكنها تؤلمها في صمت.
فإذا كانت الدنيا مليئة بالعلاقات التي تنتهي، فإن علاقة الابن بأمه تبقى من أقدس الروابط الإنسانية، قائمة على الرحمة والمودة والوفاء. هي علاقة لا ينبغي أن تُهزم أمام اختلاف في الرأي، ولا أن تُلوثها لحظة غضب، لأن الأم ليست مجرد شخص في حياتنا... إنها الحياة نفسها، حين جاءت إلينا في صورة قلبٍ لا يتوقف عن الحب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق