بقلم الدكتورة: أمينه محمود السيد عبد الحميد درغام
القراءة... الاستثمار الذي لا يخسر
هناك استثمارات قد ترتفع قيمتها يومًا وتنخفض في يوم آخر، وقد يهددها الزمن أو الأزمات أو تقلبات الأسواق. لكن هناك استثمارًا واحدًا لا يعرف الخسارة، ولا تنال منه الأيام، بل تزداد قيمته كلما مضى العمر... إنه القراءة.
فالقراءة ليست مجرد هواية تمضي بها ساعات الفراغ، ولا عادة ترتبط بالمثقفين وحدهم، بل هي وسيلة لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتوسيع الأفق، وتحرير العقل من ضيق المعرفة إلى رحابة الفكر. إنها الاستثمار الحقيقي الذي يرافق الإنسان أينما ذهب، ويمنحه ثروة لا تُقاس بالمال، بل بما يملكه من فهمٍ، وحكمةٍ، وقدرةٍ على اتخاذ القرار.
لقد أدركت الأمم المتقدمة أن الكتاب ليس رفاهية، وإنما هو أداة لبناء الحضارة. فكل مجتمع يقرأ، يمتلك القدرة على التفكير، والإبداع، والنقد، والتطوير. وكل مجتمع يهجر القراءة، يفتح الباب لانتشار الجهل، ويصبح أكثر عرضة لتصديق الشائعات والانقياد خلف الأفكار دون تمحيص.
إن القارئ لا يجمع المعلومات فحسب، بل يبني شخصيته صفحةً بعد صفحة. فالقراءة توسّع مداركه، وتنمّي خياله، وتمنحه القدرة على فهم الآخرين، واحترام اختلافهم، وربط الأحداث ببعضها، والنظر إلى القضايا من زوايا متعددة. وهي كذلك تغرس الصبر، وتعلّم حسن الإنصات، لأن من يُحسن القراءة يُحسن الفهم، ومن يُحسن الفهم يُحسن الحكم.
وفي عصر التكنولوجيا، لم تعد المنافسة بين من يقرأ ومن لا يقرأ، بل بين من يقرأ بوعي، ومن يكتفي بالعناوين والمعلومات السريعة. ففيض المحتوى الرقمي لا يغني عن القراءة العميقة، لأن المعرفة الحقيقية تحتاج إلى تأمل، وربط، وتحليل، لا إلى استهلاك سريع للمعلومات.
كما أن القراءة ليست مسؤولية الفرد وحده، بل هي مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية. فالطفل الذي يرى كتابًا في منزله، ويجد من يشجعه على القراءة، يكبر وهو يؤمن بأن المعرفة جزء من حياته، لا واجبًا مفروضًا عليه.
ولا يشترط أن يقرأ الإنسان عشرات الكتب في شهر واحد، فالعبرة ليست بالكم، بل بالاستمرار. فصفحات قليلة تُقرأ كل يوم، قد تغيّر طريقة التفكير، وتفتح آفاقًا جديدة، وتمنح صاحبها خبرات لم يعشها بنفسه، لكنها أصبحت جزءًا من وعيه.
إن الأمم التي جعلت القراءة عادة يومية، لم تصل إلى التقدم صدفة، بل لأنها آمنت بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء عقله، وأن الكتاب هو أول الطريق نحو مجتمع أكثر علمًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.
وفي الختام...
إذا أردت أن تستثمر في شيء لا يفقد قيمته، فاستثمر في عقلك. اقرأ لتفهم، لا لتتفاخر، واقرأ لتتغير، لا لتجمع المعلومات فقط. فالكتاب الصادق قد يغيّر فكرة، والفكرة قد تغيّر قرارًا، والقرار قد يغيّر حياة، والحياة الواعية قد تُسهم في تغيير مجتمع بأكمله.
فالقراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي استثمار طويل الأمد في الإنسان، والاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة.
بالتوفيق لحضرتك يا دكتوره
ردحذف