في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتتبدل معه خرائط القوة بين الأمم، لم يعد التعليم مجرد حق إنساني تكفله المواثيق الدولية، بل غدا الاستثمار الأكثر جدوى الذي تراهن عليه الدول الطامحة إلى مستقبل أفضل. فمن بين ركام التحديات التي تواجه الشعوب، من فقر وبطالة وتدهور بيئي، تبرز المدرسة والجامعة كمساحتين قادرتين على إعادة تشكيل مصير الأمم، لا بوصفهما مؤسستين تقليديتين لنقل المعرفة، بل كأداتين استراتيجيتين لبناء الإنسان القادر على مواجهة تعقيدات العصر. ومن هنا، فإن الحديث عن التنمية المستدامة دون المرور بوابة التعليم، هو حديث ناقص لا يمس جوهر القضية.
التعليم في قلب أجندة الأمم المتحدة
حين أطلقت الأمم المتحدة أجندة التنمية المستدامة 2030 بأهدافها السبعة عشر، لم يكن مصادفة أن يحتل التعليم الجيد الموقع الرابع ضمن هذه الأهداف، فهو الهدف الذي يشكل حجر الأساس الذي تُبنى عليه بقية الأهداف. يدعو الهدف الرابع إلى ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة، بوصف ذلك شرطًا لا غنى عنه لأي تقدم اقتصادي أو اجتماعي حقيقي. وتؤكد منظمة اليونسكو في تقاريرها المتكررة أن التعليم ليس هدفًا منعزلاً، بل هو "المُضاعِف" الذي يرفع من كفاءة تحقيق سائر الأهداف الأخرى، من القضاء على الفقر إلى الصحة الجيدة، مرورًا بالمساواة بين الجنسين وصولًا إلى العمل المناخي.
ولعل ما يميز هذه الرؤية الأممية أنها لا تكتفي بالدعوة إلى التحاق الأطفال بالمدارس، بل تشترط جودة التعليم ذاته، بما يضمن اكتساب المهارات اللازمة للمشاركة الفاعلة في سوق العمل والحياة العامة. فالمعادلة لم تعد "تعليم للجميع" فحسب، بل "تعليم جيد للجميع"، وهو فارق جوهري يحدد مسار الأمم بين التقدم والتراجع.
من الفصل الدراسي إلى التنمية الشاملة
حين نتأمل العلاقة بين التعليم والتنمية، نجد أنها علاقة متعددة الأبعاد، تمتد لتشمل كل مناحي الحياة تقريبًا.
فعلى صعيد مكافحة الفقر، تشير بيانات اليونسكو إلى أن كل عام إضافي من التعليم يمكن أن يرفع دخل الفرد المستقبلي بنسبة تقارب العشرة بالمائة، وهي نسبة كفيلة بانتشال ملايين الأسر من دائرة الفقر عبر جيل واحد فقط. فالمعرفة تفتح أبواب فرص عمل أفضل، وتمنح الأفراد أدوات التفاوض والابتكار التي تعينهم على تحسين ظروفهم المعيشية.
أما فيما يخص جودة الحياة، فالعلاقة بين التعليم والصحة موثقة على نطاق واسع؛ إذ يرتبط ارتفاع المستوى التعليمي، وخاصة لدى النساء، بانخفاض معدلات وفيات الأطفال، وتحسن الوعي الصحي والغذائي داخل الأسرة، وهو ما ينعكس على متوسط الأعمار وجودة الحياة اليومية.
وعلى المستوى الاقتصادي، لم يعد يخفى على أحد أن مستقبل الاقتصادات العالمية أصبح مرهونًا بما يُعرف بـالاقتصاد القائم على المعرفة، حيث تتحول المعلومة والابتكار إلى رأس المال الأكثر قيمة. والدول التي استثمرت مبكرًا في التعليم التقني والعلمي، هي ذاتها التي تصدرت اليوم قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، بينما تظل الدول التي أهملت هذا الاستثمار حبيسة اقتصادات ريعية هشة.
كذلك يمثل التعليم أداة رئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية، فهو الوسيلة الأكثر إنصافًا لتحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء الطبقات المختلفة، إذ يمنح أبناء الفئات الأكثر احتياجًا فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي، بعيدًا عن منطق الوراثة الطبقية.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للتعليم في تمكين المرأة والشباب؛ فحين تلتحق الفتاة بالمدرسة وتكمل تعليمها، فإنها لا تكتسب المعرفة فقط، بل تكتسب صوتًا وقرارًا في مصيرها، من سن الزواج إلى عدد الأبناء ونوع العمل الذي تختاره. أما الشباب، فيمثل تعليمهم الجيد صمام الأمان الحقيقي أمام مخاطر التطرف والبطالة، ومفتاح تحويل "الفائض السكاني الشاب" إلى ما يُعرف بـ"الهبة الديموغرافية" التي تدفع عجلة النمو.
وأخيرًا، أثبتت التجارب أن الوعي البيئي لا ينمو من فراغ، بل يُغرس عبر مناهج تربوية تُدرك خطورة التغير المناخي وتدهور الموارد الطبيعية، فالأجيال التي تتعلم منذ الصغر معنى الاستدامة البيئية، هي الأجيال الأقدر على اتخاذ قرارات استهلاكية وإنتاجية أكثر مسؤولية تجاه الكوكب.
نماذج ملهمة من أرض الواقع
لم تعد هذه المعادلة نظرية بحتة، فالتجارب الدولية تقدم شواهد ملموسة على قوة التعليم في صناعة التحول. ففي كوريا الجنوبية، التي كانت من أفقر دول آسيا في خمسينيات القرن الماضي، شكل الاستثمار الكثيف في التعليم الفني والجامعي الرافعة الأساسية التي حولتها إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية خلال أقل من خمسة عقود. وفي رواندا، ورغم إرث الحرب الأهلية المدمر، نجحت الدولة في جعل التعليم أولوية وطنية، ما انعكس تدريجيًا على مؤشرات التنمية البشرية فيها.
أما في مصر، فتبرز تجربة المدارس التكنولوجية التطبيقية التي أطلقتها الدولة بالشراكة مع القطاع الخاص، والتي تهدف إلى ربط مخرجات التعليم الفني باحتياجات سوق العمل الفعلية، إلى جانب برامج محو الأمية ومبادرات تعليم الفتيات في الصعيد، والتي أسهمت في تضييق الفجوة النوعية في الالتحاق بالتعليم. هذه التجارب، على تواضع حجمها أحيانًا، تؤكد أن مسار التنمية عبر التعليم ليس حكرًا على الدول الغنية، بل هو خيار متاح لكل دولة تمتلك إرادة حقيقية للتغيير.
عقبات في الطريق.. وحلول ممكنة
رغم هذه الصورة المشجعة، ما تزال منظومات التعليم في كثير من الدول النامية، ومنها مصر، تواجه تحديات جوهرية تحول دون تحقيق الأثر التنموي المنشود. فالفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل تظل قائمة، إذ يتخرج آلاف الطلاب سنويًا بشهادات لا تُقابلها فرص عمل حقيقية. كذلك تعاني كثير من المدارس من اكتظاظ الفصول وضعف البنية التحتية الرقمية، فضلاً عن استمرار نمط التلقين على حساب مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات. ويضاف إلى ذلك التفاوت الحاد بين التعليم في المدن والأرياف، وارتفاع تكلفة التعليم الجيد بما يجعله حكرًا على فئة دون أخرى.
غير أن هذه التحديات ليست قدرًا محتومًا، فثمة حلول عملية أثبتت جدواها في تجارب عدة دول: أولها ربط المناهج الدراسية باحتياجات سوق العمل عبر شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، وثانيها التوسع في التعليم الفني والتقني بوصفه مسارًا موازيًا للتعليم الأكاديمي وليس بديلاً أدنى منه. ويأتي ثالثًا الاستثمار في تدريب المعلمين وتطوير أدائهم، باعتبارهم العمود الفقري لأي إصلاح تعليمي، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الرقمية لتقليص الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية. وأخيرًا، لا بد من تخصيص موازنات حكومية أكبر للتعليم، بما يتماشى مع التوصيات الدولية التي تدعو إلى تخصيص ما لا يقل عن أربعة إلى ستة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذا القطاع الحيوي.
خاتمة: استثمار لا يعرف الخسارة
حين تتأمل الأمم مستقبلها، عليها أن تدرك أن كل جنيه أو دولار يُستثمر في الفصول الدراسية، وفي تأهيل المعلمين، وفي تطوير المناهج، هو استثمار مضمون العائد على المدى البعيد، بخلاف أي قطاع آخر قد تتقلب عوائده بفعل الأزمات الاقتصادية أو السياسية. فالتعليم وحده هو الذي يصنع الإنسان القادر على مواجهة المجهول، وابتكار الحلول، وقيادة التغيير. ولذلك، فإن أي حديث جاد عن التنمية المستدامة، لا بد أن يبدأ من هناك، من داخل الفصل الدراسي، حيث تُصاغ ملامح الغد قبل أن تُكتب على أرض الواقع.
بقلم الكاتبة/ مروه رفعت إبراهيم محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق