بقلم/ امل صالح سليم
لم تعد أزمة الزواج فى مجتمعنا مرتبطة بارتفاع تكاليفه فقط ولا بقلة فرص العمل أو الظروف الاقتصادية كما يظن البعض بل ظهرت أزمة أخطر وأعمق... إنها أزمة الثقة.
أصبحت العلاقة تبدأ بسؤال هل هذا الشخص صادق؟ قبل أن تبدأ بسؤال هل يناسبنى؟.
دخلت مواقع التواصل الاجتماعى إلى تفاصيل الحياة فغيرت طريقة التعارف وبدلت معايير الاختيار وفتحت أبوابا لا تنتهى من العلاقات المؤقتة حتى أصبح كثيرون ينظرون إلى الزواج وكأنه مخاطرة أكثر منه استقرارا.
فالرجل يخشى أن يقع ضحية الخداع أو الاستغلال والمرأة تخشى أن تكون مجرد تجربة جديدة فى قائمة تجارب لا تنتهى وبين هذا وذاك يقف أصحاب النوايا الصادقة عاجزين عن العثور على من يشبههم.
المشكلة أن بعض الناس لم يعد يبحث عن شريك حياة بل عن شخص يحقق له رغباته الخاصة مهما كان الثمن وتحولت كلمة "ارتباط" عند البعض إلى غطاء لعلاقات لا تحمل مسؤولية ولا التزام بينما فقدت الصراحة مكانها أمام المجاملات والكلمات المعسولة والحسابات المزيفة.
ومع انتشار تطبيقات التواصل وجروبات التعارف والزواج وجد البعض فيها وسيلة مشروعة للبحث عن شريك بينما استغلها آخرون بصورة تفرغ فكرة الزواج من معناها الحقيقى فبدلا من أن تكون طريقا للحلال أصبحت عند بعض المستخدمين وسيلة للتلاعب بالمشاعر أو استدراج الطرف الآخر بعلاقات لا تنتهى إلى زواج.
وهنا تتولد أزمة أكبر فكل تجربة فاشلة تترك خلفها إنسانا أقل ثقة وأكثر خوفا وأكثر تشددا فى اختيار شريك حياته فيضع كل طرف عشرات الشروط والمعايير بعضها منطقى وبعضها مستحيل التحقيق حتى أصبح الوصول إلى نقطة اتفاق بين شخصين أمرا بالغ الصعوبة.
كما ساهم التعرض المستمر لمحتوى متنوع عبر الإنترنت فى تغيير توقعات بعض الأشخاص عن العلاقات الزوجية وأصبح البعض يتبنى أفكارا أو تصورات لا تنسجم مع قيم المجتمع أو مع مفهوم الزواج القائم على المودة والرحمة وتحمل المسؤولية وهو ما يزيد الفجوة بين الواقع والتوقعات.
وفى المقابل لا يمكن تعميم صورة واحدة على الرجال أو النساء فكما يوجد من يستغل العلاقات لتحقيق رغباته أو مصالحه يوجد أيضا رجال ونساء يبحثون بصدق عن بيت مستقر وشريك يشاركهم الحياة على أساس الاحترام والالتزام لكن هؤلاء كثيرا ما تضيع أصواتهم وسط الضجيج الذى تصنعه التجارب السلبية
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس تأخر سن الزواج وإنما فقدان الثقة فى فكرة الزواج نفسها فعندما يصبح الشك هو نقطة البداية تتحول العلاقة إلى اختبار مستمر ويغيب عنها الأمان الذى يمثل أساس أى أسرة ناجحة
وربما نحتاج اليوم إلى مراجعة أنفسنا أكثر من حاجتنا إلى البحث عن الطرف الآخر فبناء الأسرة لا يبدأ بصورة جميلة على مواقع التواصل ولا بكلمات منمقة فى الرسائل الخاصة وإنما يبدأ بالصدق والأمانة وتحمل المسؤولية واحترام حدود الله.
فالزواج فى الإسلام ليس علاقة لإشباع رغبة عابرة ولا صفقة لتحقيق مصلحة مادية بل ميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة وإذا أردنا أن نستعيد الثقة فعلينا أن نعيد لهذه القيم مكانتها حتى يجد من يطلب الحلال بحق طريقا واضحا وسط ضجيج العلاقات الزائفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق