الأحد، 26 يوليو 2026

‏الأمان النفسي داخل الأسرة... الهدية التي تصنع إنسانًا واثقًا مدى الحياة

‏✍️ بقلم:أ/ هبة رأفت
‏أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
‏مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
‏قد ينسى الطفل اللعبة التي اشتريتها له وقد يكبر وينسى كثيرًا من التفاصيل التي عاشها في طفولته لكنه لن ينسى أبدًا الشعور الذي كان يعيشه داخل منزله هل كان يشعر بالأمان أم بالخوف هل كان يجد من يستمع إليه أم كان يخشى التعبير عن مشاعره وهل كان يعلم أن أخطاءه ستقابل بالتوجيه أم بالعقاب والإهانة
‏الأمان النفسي هو أن يشعر كل فرد داخل الأسرة بأنه محبوب ومقبول ومحترم مهما اختلفت شخصيته أو أخطأ أو مر بظروف صعبة وهو ليس رفاهية تربوية بل هو من أهم الاحتياجات النفسية التي تؤثر في تكوين الشخصية والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والنجاح الدراسي في المستقبل
‏الطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة نفسيًا يكون أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على التعلم والتعبير عن أفكاره ومواجهة المشكلات لأنه يعلم أن هناك من يدعمه ويحتويه أما الطفل الذي يعيش في جو من الخوف أو التهديد أو السخرية فإنه قد يصبح قلقًا أو عدوانيًا أو منطويًا ويفقد ثقته بنفسه مع مرور الوقت
‏ولا يتحقق الأمان النفسي بكثرة المال أو الهدايا وإنما يتحقق عندما يشعر الطفل أن والديه يستمعان إليه باهتمام ويحترمان مشاعره ويعاملانه بعدل ويشجعانه على المحاولة حتى إذا أخطأ ويمنحانه الحب دون أن يربطاه بالتفوق أو الطاعة المطلقة
‏ومن أكثر الأمور التي تهدد الأمان النفسي داخل الأسرة كثرة الصراخ والإهانة والمقارنة بين الأبناء والتهديد المستمر والانتقاد الجارح والخلافات الزوجية أمام الأطفال وعدم الوفاء بالوعود والتقليل من مشاعر الأبناء أو السخرية منها فهذه التصرفات تترك آثارًا قد تستمر لسنوات طويلة حتى بعد أن يكبر الأبناء
‏وعندما يشعر الإنسان بالأمان داخل أسرته يصبح أكثر هدوءًا واتزانًا وأقل عرضة للقلق والاكتئاب وأكثر قدرة على بناء علاقات صحية مع الآخرين لأنه تعلم منذ الصغر أن الحب لا يعني الخوف وأن الاحترام لا يحتاج إلى صراخ وأن الحوار أقوى من العقاب
‏وحتى بين الزوجين فإن الأمان النفسي هو أساس العلاقة الناجحة فكل طرف يحتاج إلى أن يشعر بأنه يستطيع التعبير عن رأيه ومشاعره دون خوف من السخرية أو التقليل أو الإهانة وأن يجد الدعم وقت الضعف والاحتواء وقت الأزمات فالعلاقة التي يسودها الأمان النفسي تكون أكثر قدرة على تجاوز الخلافات وأقل عرضة للانهيار
‏ويمكن لكل أسرة أن تبني هذا الأمان من خلال الكلمة الطيبة والاحتواء والاستماع الجيد والعدل بين الأبناء والاعتذار عند الخطأ وتشجيع الحوار واحترام الخصوصية وإظهار الحب بصورة مستمرة لأن هذه التصرفات البسيطة تصنع أثرًا عظيمًا في نفوس الأبناء والزوجين معًا
‏فالأسرة ليست مكانًا للنوم والطعام فقط بل هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها شعور الإنسان بقيمته وبنفسه وبالعالم من حوله فإذا وجد فيها الأمان خرج إلى الحياة قويًا واثقًا متوازنًا وإذا فقده ظل يبحث عنه في كل مكان وقد لا يجده بسهولة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot