تتجه العديد من الاقتصادات إلى إعادة النظر في مفهوم النمو، فلم يعد ارتفاع الناتج المحلي وحده كافيًا للحكم على قوة الاقتصاد، بل أصبح السؤال الأهم هو: هل يتحول هذا النمو إلى فرص عمل حقيقية، وتحسن في مستوى المعيشة، وزيادة في الإنتاج، وقدرة على مواجهة الأزمات؟
فقد تحقق بعض الدول معدلات نمو مرتفعة، بينما لا يشعر المواطن بالضرورة بتحسن مماثل في حياته اليومية. ويرجع ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتوزيع ثمار النمو بصورة غير متوازنة، وضعف قدرة بعض القطاعات على خلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من مفهوم النمو الكمي إلى مفهوم النمو النوعي، الذي يعتمد على زيادة الإنتاجية وتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية وتطوير البنية التحتية، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز قدرة القطاع الخاص على خلق فرص العمل.
كما أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، بدلًا من التركيز المفرط على الأنشطة قصيرة الأجل. فالصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية يمكن أن تشكل قاعدة أكثر قوة للاقتصاد، خاصة عندما ترتبط بخطط واضحة للتصدير وزيادة القيمة المضافة المحلية.
وفي ظل التغيرات العالمية، أصبحت قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو شامل ومستدام معيارًا أساسيًا لنجاح السياسات الاقتصادية. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في تحقيق أرقام إيجابية، وإنما في بناء اقتصاد قادر على تحويل النمو إلى فرص، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى تحسن ملموس في حياة المجتمع.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق