السبت، 18 يوليو 2026

السوشيال ميديا وقود الجرائم وتهديد استقرار المجتمعات الحديثة




بقلم/ امل صالح سليم



في البداية كانت مواقع التواصل الاجتماعي حلما تكنولوجيا جمع العالم في شاشة صغيرة وفتح أبوابا غير مسبوقة للتواصل وتبادل المعرفة لكن مع مرور الوقت تحولت هذه المنصات لدى البعض إلى بيئة خصبة للجريمة ومسرح مفتوح لنشر الشائعات وبث الكراهية واستغلال البشر حتى أصبحت الجرائم الإلكترونية تنافس الجرائم التقليدية في خطورتها وتأثيرها.
لم تعد الجريمة تحتاج إلى سلاح أو مكان معزول بل يكفي حساب مزيف وهاتف متصل بالإنترنت فمن خلال رسالة خاصة تبدأ عمليات الابتزاز الإلكتروني حيث يقع الضحايا في فخ الثقة قبل أن يتحولوا إلى رهائن للتهديد والتشهير مقابل المال أو تنفيذ مطالب غير مشروعة.
وفي الوقت نفسه ازدهرت جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني عبر إعلانات وهمية ومتاجر مزيفة وروابط خادعة واستثمارات غير حقيقية مستغلة رغبة الناس في تحقيق الربح السريع أو الحصول على فرص عمل.
كما أصبحت المنصات الرقمية بيئة خصبة لنشر الأخبار الكاذبة والشائعات التي تنتشر بسرعة هائلة فتثير البلبلة وتزعزع الثقة وقد تؤدي إلى تأجيج الأزمات داخل المجتمع قبل أن تظهر الحقيقة.
ولم تتوقف المخاطر عند هذا الحد بل تحولت بعض الحسابات إلى منابر لنشر خطاب الكراهية والتحريض على العنف والإساءة إلى الآخرين بسبب ارائهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويغذي الانقسام بين المواطنين.
وتستغل بعض الجهات هذه المنصات لنشر دعايات سياسية أو دينية متطرفة أو للترويج لأفكار تسعى إلى استقطاب المتابعين وإثارة العداء داخل المجتمع كما يستخدم البعض المنصات لبث محتوى يحرض على الكراهية أو يدعو إلى العنف أو يشجع على مخالفة القانون وهي ممارسات قد يكون لها أثر بالغ على فئات من المستخدمين خصوصًا صغار السن.
ومن الظواهر المقلقة أيضا حملات التشهير والتنمر الإلكتروني وانتحال الشخصيات وسرقة الحسابات وتسريب البيانات الشخصية وهي جرائم حصدت آلاف الضحايا وتركت آثارا نفسية واجتماعية لا تقل خطورة عن اثار الجرائم الواقعة على أرض الواقع.
إن حرية التعبير حق أصيل لكنها لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو التحريض على العنف أو نشر معلومات مضللة أو ارتكاب جرائم تمس الأفراد أو المجتمع فالفرق كبير بين إبداء الرأي المسؤول وبين استغلال المنصات للإضرار بالناس أو تهديد الأمن المجتمعي.
لقد أصبح الوعي الرقمي ضرورة لا رفاهية وأصبحت مسؤولية مواجهة الجرائم الإلكترونية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات الدولة وشركات التكنولوجيا إلى جانب المستخدم نفسه الذي يجب أن يدرك أن كل كلمة أو صورة أو منشور قد يكون له أثر يتجاوز حدود الشاشة.
فالسوشيال ميديا ستظل أداة مؤثرة لكنها قد تكون وسيلة للبناء إذا أحسن استخدامها أو تتحول إلى أخطر ساحات الجريمة إذا تُركت دون وعي أو مسؤولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot