السبت، 18 يوليو 2026

الدراما لا تعكس الواقع... بل تعيد برمجته

 بقلم عاشقة الوطن سحر غانم 

يقول البعض: "دي مجرد دراما... ما تاخدوهاش بجد."

لكن الحقيقة أن الدراما الناجحة لا تكتفي بعرض قصة، بل تزرع داخل المشاهد تعريفًا جديدًا لما هو طبيعي، وما هو مقبول، وما يستحق الإعجاب.

السيناريست لا يكتب حوارًا فقط، بل يبني عالمًا كاملًا. ومع تكرار المشاهدة، يبدأ العقل في اعتبار هذا العالم مرجعًا للحياة.

عندما يتكرر أمامك أن الخيانة مغامرة مثيرة، وأن الرجل المسؤول شخصية مملة، وأن المرأة القوية هي التي لا تحتاج أحدًا، وأن الصوت العالي دليل قوة، فإن هذه الرسائل لا تمر مرور الكرام.

العقل لا يتذكر كل مشهد، لكنه يحتفظ بالانطباع العام.

ولهذا فالتأثير الحقيقي للدراما لا يظهر بعد الحلقة... بل بعد سنوات، عندما تجد مجتمعًا كاملًا يردد أفكارًا لم يقرأها في كتاب، ولم يتعلمها في مدرسة، وإنما عاشها مئات الساعات أمام الشاشة.

الدراما ليست معلمًا يشرح، لكنها أخطر من المعلم؛ لأنها لا تطلب منك أن تقتنع، بل تجعلك تتعاطف.

وما نتعاطف معه كثيرًا، نبدأ في تبريره، ثم تقليده، ثم الدفاع عنه.

وهنا تظهر مسؤولية الكاتب الحقيقي.

فالكاتب الموهوب ليس من يجعل الشرير محبوبًا فقط، وإنما من يجعل المشاهد يفكر، لا أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

الفن العظيم لا يجمّل الخطأ، ولا يحوّل الانحراف إلى بطولة، ولا يجعل القيم القديمة مادة للسخرية.

إنما يطرح الأسئلة، ويكشف الصراع، ويترك المشاهد أكثر وعيًا، لا أكثر تشوشًا.

لذلك، لا تسأل فقط: "هل المسلسل ممتع؟"

بل اسأل سؤالًا أهم:

بعد ثلاثين حلقة... ماذا أصبح طبيعيًا في نظري لم يكن طبيعيًا من قبل؟

الإجابة عن هذا السؤال هي المقياس الحقيقي لقوة أي عمل درامي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot