الاثنين، 20 يوليو 2026

‏العمر لن يتكرر فهل مازالت أولوياتك تستحق أن تضيع من أجلها حياتك؟!

‏✍️ بقلم أ/ هبة رأفت. أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
‏يمضي العمر أسرع مما نتخيل، وما نظنه طويلًا يمر في لحظات. وبين انشغالات الحياة ومسؤولياتها قد ينسى الإنسان أن أغلى ما يملكه ليس المال ولا المكانة ولا الممتلكات، بل الوقت. فالوقت هو الشيء الوحيد الذي إذا مضى لا يمكن استعادته، وكل يوم يمر هو جزء من العمر لن يعود مرة أخرى.
‏عندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة يبدأ في إعادة ترتيب أولوياته. يتوقف عن إهدار وقته في الخلافات التي لا قيمة لها، ويبتعد عن العلاقات التي تستنزف طاقته، ولا يعود منشغلًا بإرضاء الجميع على حساب راحته النفسية. يدرك أن الحياة أقصر من أن تُقضى في القلق المستمر أو مقارنة نفسه بالآخرين أو انتظار اللحظة المثالية التي قد لا تأتي أبدًا.
‏من منظور علم النفس، يعيش كثير من الناس تحت ضغط توقعات الآخرين، فيختارون ما لا يحبون، ويقبلون ما لا يناسبهم، ويصمتون عندما يجب أن يتحدثوا، خوفًا من الرفض أو الانتقاد. ومع مرور السنوات يكتشفون أنهم عاشوا حياة رسمها الآخرون لهم، بينما أهملوا أحلامهم واحتياجاتهم الحقيقية.
‏إن إعادة ترتيب الأولويات لا تعني الأنانية أو التخلي عن المسؤوليات، بل تعني أن يعرف الإنسان ما يستحق وقته وجهده وما لا يستحق. فهناك أشخاص يمنحونك طاقة وأملًا، وآخرون يستنزفونك نفسيًا. وهناك أعمال تضيف إلى حياتك معنى، وأخرى تستهلك أيامك دون أي شعور بالإنجاز. وهناك كلمات تبني العلاقات، وأخرى تهدمها في لحظة.
‏وعندما تنضج النفس يصبح السلام الداخلي أهم من كسب كل جدال، والصحة النفسية أهم من إرضاء الجميع، والوقت مع الأسرة والأبناء أهم من الانشغال الدائم بما لا ينتهي من الأعمال. فالسعادة الحقيقية لا تأتي من كثرة ما نملك، بل من جودة ما نعيشه ومن الأشخاص الذين نشاركهم حياتنا.
‏كما أن إدراك قيمة العمر يدفع الإنسان إلى التسامح مع نفسه، فلا يظل أسير أخطاء الماضي ولا يعيش في تأنيب مستمر. يتعلم أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن كل تجربة مهما كانت مؤلمة تحمل درسًا يساعده على النضج. ويصبح أكثر شجاعة في اتخاذ القرارات التي تحفظ كرامته وراحته النفسية حتى لو لم تعجب الجميع.
‏ومن أهم الأولويات التي ينبغي ألا يؤجلها الإنسان الاهتمام بصحته النفسية والجسدية، وتطوير ذاته، والاقتراب ممن يحب، والتعبير عن مشاعره، واستثمار وقته فيما ينفعه. فالعمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بما نعيشه فيها من قيم وإنجازات وعلاقات صحية ولحظات صادقة.
‏ليس المطلوب أن تكون حياتك خالية من المشكلات، فذلك مستحيل، ولكن المطلوب أن تدرك أن لكل يوم قيمة، وأن لكل قرار أثرًا، وأن كل دقيقة تضيع في الحقد أو الخوف أو التردد هي دقيقة لن تعود أبدًا. وعندما تؤمن أن العمر لا يتكرر ستصبح أكثر حرصًا على اختيار كلماتك، وأفعالك، وعلاقاتك، وأحلامك، لأنك ستفهم أن الحياة ليست سباقًا مع الآخرين، بل رحلة مع نفسك تستحق أن تعيشها بوعي واتزان وسلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot