د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
من أكبر المفاهيم التي اختلطت على الناس في زماننا، أن نجاح المرأة علميًا أو استقلالها ماديًا يعني أنها لم تعد بحاجة إلى رجل في حياتها.
والحقيقة أن هذا خلط بين الاستقلال والاستغناء.
فالمرأة قد تكون طبيبة، أو أستاذة جامعة، أو قاضية، أو صاحبة شركة، وقد تنفق على نفسها، لكن ذلك لا يلغي احتياجها الفطري إلى شريك حياة يمنحها السكن والأمان والمودة، كما يحتاج الرجل أيضًا إلى المرأة.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فالزواج في الإسلام ليس علاقة احتياج مالي فقط، وإنما علاقة سكن ورحمة وتكامل.
ولذلك لم يجعل الإسلام نفقة المرأة واجبًا عليها، حتى لو كانت من أغنى الناس، وإنما أوجب النفقة على الرجل؛ لأنه مكلف بالقوامة والمسؤولية، قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
والقوامة ليست تسلطًا، وإنما مسؤولية ورعاية وإنفاق وحماية وعدل.
كما قال النبي ﷺ:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته."
فالرجل مسؤول عن أهله، والمرأة مسؤولة عن بيتها، ولكلٍ دوره الذي يكمل الآخر.
وجود الرجل في حياة المرأة ليس انتقاصًا من قوتها، بل هو جزء من الفطرة التي خلق الله الناس عليها. والاستقلال الحقيقي هو أن تكون المرأة قادرة على الاعتماد على نفسها عند الحاجة، لا أن تعيش وهي ترفض كل معاني الشراكة والتكامل.
لكن ليس أي رجل. المرأة تستحق رجلًا يتحمل المسؤولية، ويحترمها، ويصونها، ويصدقها، ويعاملها بالمودة والرحمة. رجلًا يعرف معنى الرجولة في أخلاقه قبل قوته، وفي التزامه قبل كلماته.
أما تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع: من الأقوى؟ ومن لا يحتاج إلى الآخر؟ فهذا ليس من الفطرة، ولا من الحكمة، ولا من هدي الإسلام.
والأصل الذي جاءت به الشريعة هو التكامل، لا التنافس، والتعاون، لا الصراع.
ولا شك أن الأفكار التي تدعو إلى إلغاء الفروق الفطرية بين الرجل والمرأة، أو تنكر احتياج كلٍ منهما للآخر، تصطدم بما دلت عليه الفطرة السليمة وما قرره الشرع من أن البشر خُلقوا أزواجًا، يكمل بعضهم بعضًا، لا ليستغني أحدهم عن الآخر.
فالمرأة القوية ليست هي التي تقول: "لا أحتاج رجلًا."
بل هي التي تقول: "أستطيع أن أعتمد على نفسي، لكنني أقدّر قيمة الرجل الحقيقي الذي يقوم بواجباته، كما أؤدي أنا واجباتي."
فالاستقلال نعمة... أما الاستغناء عن الفطرة، فليس قوة، وإنما مخالفة لطبيعة الحياة التي أرادها الله لعباده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق