بقلم
كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشؤون الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان
تُعد بيئة العمل الناجحة أساسًا في بناء المؤسسات القوية، ولا تقوم فقط على القوانين والتعليمات، بل تعتمد في المقام الأول على روح المسؤولية، والتعاون، والانتماء، والإخلاص في أداء الواجب. فعندما يغيب الشعور بالمسؤولية، ويصبح شعار البعض هو "ليس من اختصاصي"، تبدأ المؤسسة في فقدان قدرتها على التطور، وتتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة كان يمكن تداركها بسهولة.
والصورة المرفقة خير دليل على ذلك؛ فقد اختار أحد العاملين أن يمد خط المواسير حول صخرة كبيرة بدلًا من إزالة العائق من مساره، ليكون التنفيذ مطابقًا للحرفية الشكلية، لكنه بعيد تمامًا عن المنطق والهندسة السليمة. إنها صورة تجسد عقلية تنفيذ الأوامر دون تفكير، والالتزام الحرفي دون تحمل المسؤولية.
القصة
سألوا السباك: "ليه ما حرّكتش الصخرة من طريق المواسير؟"
فأجاب بكل بساطة: "مش شغلي."
قد تبدو هذه الجملة عادية، لكنها في الحقيقة تختصر أزمة إدارية وإنسانية تعاني منها مؤسسات كثيرة.
ففي بداية عمله، يكون الموظف مليئًا بالحماس، ويسعى إلى حل المشكلات، ويقدم أفكارًا ومبادرات ليست ضمن اختصاصه، لأنه يشعر بأن نجاح المؤسسة هو نجاح له أيضًا.
لكن عندما يقابل هذا الإخلاص بالتجاهل، أو يقابل الاجتهاد بعدم التقدير، أو تُقابل المبادرة بالنقد والعقاب، يبدأ تدريجيًا في الانسحاب النفسي، ويقرر أن يؤدي الحد الأدنى فقط من واجباته.
فيتحول شعاره إلى: "سأقوم بما هو مطلوب مني فقط... وما عدا ذلك ليس شغلي."
وهنا تبدأ المؤسسة في خسارة أهم عناصر نجاحها، وهو الموظف صاحب الضمير والانتماء.
الدروس المستفادة
التقدير يصنع موظفًا مبدعًا.
الاحترام يولد الانتماء.
التحفيز يزيد الإنتاج.
أما الإهمال والتعنت وسوء الإدارة، فإنها تقتل روح المبادرة.
إن الموظف ليس آلة تنفذ الأوامر فقط، بل هو عقل قادر على التفكير والإبداع إذا وجد من يثق به ويقدره.
وفي المقابل، فإن الموظف أيضًا مطالب بأن يجعل مصلحة العمل فوق الاعتبارات الشخصية، وألا يتخذ عبارة "مش شغلي" ذريعة لترك الخطأ يستمر أو لتعطيل المصلحة العامة، لأن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يتكامل الواجب مع الضمير المهني.
رسالة إلى كل مدير
لا تنتظر من موظفيك أن يبدعوا إذا كانوا لا يشعرون بقيمتهم.
ولا تطلب منهم أن يتحملوا المسؤولية إذا كنت لا تمنحهم الثقة والاحترام.
فالكلمة الطيبة، والتقدير الصادق، والعدل بين العاملين، تصنع فريقًا قادرًا على تجاوز أصعب التحديات.
أما بيئة العمل التي يسودها الظلم، والتعنت، والتهميش، فإنها تخلق موظفين يؤدون أعمالهم بلا روح، ويكتفون بترديد عبارة:
"مش شغلي."
وعندها، لن تكون الخسارة خسارة موظف واحد، بل خسارة المؤسسة بأكملها.
فالمؤسسات لا تنهار بسبب قلة الإمكانيات، وإنما تنهار عندما يغيب الضمير المهني، وتضعف القيادة، ويفقد العاملون شعورهم بالانتماء والمسؤولية.
وهنا تكمن رسالة الصورة والقصة معًا: إن النجاح لا يتحقق بأداء الواجب فقط، بل يتحقق عندما يعمل الإنسان بعقله وضميره، ويجعل مصلحة العمل فوق كل اعتبار، مع وجود إدارة عادلة تُقدّر الإخلاص وتحفّز العطاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق